كتبنا خلال الأشهر الماضية مجموعة من المقالات عن ضرورة الإصلاح، وقد جاءت مبادرة تعديل تشكيل المجلس الوطني وتشكيل الحكومة الجديدة لتكشف عن أن الإصلاح هم كبير تفكر فيه القيادة السياسية، وتأخذه مأخذ الجد، فالرغبة واضحة جداً في السير على طريق التحديث والتطوير والإصلاح على مستوى البناء السياسي والإداري والمجتمعي، ثم على مستوى العلاقات الدولية.

إن النظام السياسي في دولتنا الاتحادية مهتم بالتحديث والإصلاح المستمر لأنه لا يكتفي بشرعية من الماضي، بل يعمل من أجل تجديد هذه الشرعية باستمرار من خلال الاستجابة لمتطلبات شعب الاتحاد وبتحقيق رغبته في التنمية المستدامة.

وفي اعتقادنا أن الإصلاح ليس عبئا على الدولة والحكومة، بل عبء الإصلاح يقع أيضاً على كل فرد من أبناء الإمارات، وعلى منظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص.

فالمجتمع المدني لابد أن يدخل في نوع من الشراكة الفعالة مع الحكومة والقطاع الخاص في تحديث دولة الإمارات، لأن المجتمع المدني له دور كبير في حل أزمة مجتمعنا لما للمجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية من عناصر قوة في التنمية في أي مجتمع من المجتمعات المتقدمة في دول العالم الأول.

ولذا لابد من تضافر الجهود في وضع معالم استراتيجية جادة لإنعاش وتطوير المجتمع المدني، لأنه لا يمكن إحداث تحول ديمقراطي في دولتنا الاتحادية دون تفعيل المجتمع المدني.

وفي هذا الإطار نجد أن إصلاح الدولة لن يكتمل بدون إصلاح المجتمع المدني. وإذا كنا قد طالبنا مراراً بضرورة تحديث البناء الهيكلي للدولة، فإننا نؤكد أن قطاع المجتمع المدني بالمعنى الحديث في الإمارات بحاجة هو الآخر للتطوير والإصلاح والخضوع للتغيرات التحديثية التي تشهدها حكومتنا الاتحادية هذه الأيام.

ولذا نجد أنه من الضروري تحرير منظمات المجتمع المدني من القيود والمكبلات التي تحد من حريتها وحركتها، فالقوانين المنظمة للنشاط الاجتماعي لا تزال تحتاج إلى تغيير.. ولا يمكن تحديث الدولة والمجتمع المدني بدون تحديث المواطن، فالمواطن هو حجر الزاوية في أية عملية إصلاح، فهل هناك مجتمع متقدم بدون مواطن متقدم؟

وهل يمكن أن نجد في أي نظام من أنظمة العالم حكومة متقدمة وشعبها غير مواكب لتقدمها؟ وبطبيعة الحال لا يمكن هذا. فالشعب الاتحادي هو الركن الركين والركيزة الأساسية لأية عملية تحديثية.

وفي ظننا أن الإصلاح السياسي غير ممكن بدون أن يكون لدينا المواطن الواعي والفعال والمدرك لأهمية التنمية بل والمشارك في صنعها على أساس من إدراك طبيعة الفكر السياسي الديمقراطي.

وطبيعة الأنظمة السياسية، فهذا الإدراك جزء من تكوين المواطن الصالح القادر على حمل عبء المشاركة السياسية بوصفها ضرورة قصوى في عملية الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي التي تشهدها دولة الإمارات العربية المتحدة في ظل قيادة حكيمة أخذت على عاتقها مواصلة مسيرة الإصلاح.

وإذا كان الإصلاح الديمقراطي بدأ في أركان النظام السياسي للدولة، فإن هذا لا يكفي، إذ لا بد من تكوين المواطن الإماراتي الديمقراطي القادر على ممارسة التجربة الديمقراطية في عمله.

وفي حياته، ولابد من توسيع نطاق الديمقراطية في كافة مؤسسات الدولة وقطاعاتها المختلفة، بل وفي نطاق الممارسة المجتمعية اليومية. فالديمقراطية في نظام الحكم غير منعزلة عن الديمقراطية في سائر قطاعات المجتمع العام.

وإذا كانت الديمقراطية هي الأسلوب الأمثل في إدارة الدولة، فإنها لا يمكن أن تحقق أغراضها، بل ولا يمكن أن تكون ديمقراطية حقيقية كاملة وليست ديمقراطية مبتورة.

إن الدولة في الإمارات استطاعت أن تقطع خطوات على طريق التحول إلى الدولة الديمقراطية؛ بفضل الإصلاحات المتوالية، وبفضل الاتساع النسبي ـ وإن كان غير كافٍ وبطيئاً ـ للمجتمع المدني، وزيادة حرية الرأي والإعلام بقدر ما.

وظهور القنوات الفضائية بما فيها من برامج حوارية وسجالية وخلافية تتيح للمشاهدين الاستماع للرأي والرأي الآخر، وقل مثل ذلك عن الكثرة النسبية للصحف اليومية وقارنه بعدد سكان الدولة. لكن لابد من عدم الاكتفاء بهذا.

ومواصلة السير قدماً على كافة المستويات، وهو ما نأمله من خلال الجهود المشجعة التي يقوم بها أولو الأسر في حكومتنا الاتحادية لاسيما بعد مبادرات الإصلاح الأخيرة.

ولا قيمة لأي إصلاح من دون معالجة قضية الفساد الإداري والمالي في أجهزتنا الحكومية بشكل عام؛ فالفساد يزداد استفحالاً في الدول التي تمر بمرحلة انتقالية وتنتشر بسرعة في بنيتها الاقتصادية والاجتماعية، مهدداً إياها بتقويض كل جهود التنمية وبرامج الإصلاح.

ولذا لابد من الإصلاح الأخلاقي والقانوني للتشريعات الوظيفية على نحو يسد الثغرات أمام الفساد، ولابد أن يشارك المواطنون بكل شرائحهم وطوائفهم في مناقشة مثل هذا القانون؛ حتى يأتي معبراً عن طموحات المواطنين.

وعن رؤيتهم للإصلاح، فالشعب يعرف طرق الفساد التي ينتهجها الفاسدون، وهو القادر بوعيه التاريخي والاجتماعي على اقتراح سبل إعاقة محاور الفساد، وعلى تنفيذ برامج الإصلاح والشفافية والطهارة والقضاء على الفساد ومحاربة الانحراف الوظيفي وعدم التستر على الفاسدين والمتلاعبين بأموال الدولة وممتلكاتها.

فإقامة نظام حكومي قائم على الشفافية هي الأولوية التي لا يختلف عليها اثنان. ولا معنى لأي إصلاح إداري من دون أن ينص القانون على كشف الذمة المالية الذي يضيق الخناق إلى حد كبير على التضخم غير الشرعي لأموال الموظفين نتيجة الرشاوى واستغلال النفوذ والتربح والمحسوبية.

إننا نريد من الحكومة الجديدة أن تقوم بقطع الطريق على المفسدين، وأن تنشئ مؤسسات رقابية لديها سلطة متابعة الزيادة على ممتلكات وأحوال الموظفين، ويمكنها محاكمة أي شخص تتضخم أمواله بطريقة غير معلومة المصدر.

إن أموال الدولة أموال شبه مقدسة، لا ينبغي العبث بها، ولا يجب أن ينالها إلا من يستحقها، والقيادة السياسية مطالبة أن تضرب بيد من حديد على رؤوس المفسدين. فمتابعة ورصد الانحرافات ضرورة قصوى، ولابد من تعقب الفاسدين بالفصل والسجن، بل واسترداد الأموال التي حصلوا عليها بغير وجه حق.

إننا نريد من الحكومة الجديدة تطوير قوانين العمل والوظائف الحكومية لمنع المتاجرة بالوظيفة، وللحيلولة دون تعطيل مصالح الناس، وعدم إعطاء الحقوق، ومنع الرشاوى التي يفرضها بعض الموظفين على المقاولين.

ولابد أن تنشئ الحكومة جهة محايدة يمكن الشكوى إليها، ويكون لدى هذه الجهة، حق المساءلة، وسلطة التحقيق، وسلطة رد الأموال إلى أصحابها، وسلطة إحالة أي موظف يثبت تقاعسه أو تعطيله لمصالح الناس إلى المحاكمة. إن التطوير لا يقتصر فقط على معاقبة وتتبع الفاسدين، بل لابد من العمل جذرياً على إعادة هيكلة نظام العمل في المؤسسات الحكومية الاتحادية.

والتحول إلى نظام الحكومة الإلكترونية، حتى يمكن القضاء على الروتين والبيروقراطية التي تعطل العمل، وتعطل مصالح الناس، ولابد في هذا الإطار من مجاراة الدول المتقدمة والمتطورة والاستفادة من تجاربها في ذلك بما يلائم تجربتنا دون نقل حرفي بطبيعة الحال. فالحكمة ضالة المؤمن.. وفق الله تعالى الجميع في خدمة الوطن.

منسق أكاديمي ـ جامعة الإمارات