خلق الله البشر شعوبا وقبائل لتتعارف لا لتتصادم وتتقاتل...ومعنى »الشعوب« و"القبائل" اليوم يتعدى التعريف اللفظي الى التعريف المرادف أي الى الحضارات المتنوعة والمتعددة المطلوب منها ان تتعارف وإن تواجه بعضها بعضا بنوايا المحبة والتكامل.

الإسلام يرى في الاختلاف رحمة ويقبل به كمبدأ انساني ولا يحث على اقصاء المختلفين عنه أو ارغامهم على الخضوع ولذلك نرى خادم الحرمين الملك عبدالله بن عبدالعزيز يسارع الى الاعلان عن رفض نظرية صدام الحضارات والسعي الى التعايش السلمي بين البشر، وتكاد غريزة الايمان هي التي سبقت ما عداها في نفسية خادم الحرمين لإعلان الموقف بكل شفافية وبما لا يقدر احد على دحضه واعتباره من اعمال السياسة ومراوغة الوضع الحالي المتوتر على خلفية الصور المسيئة.

موقف خادم الحرمين الملك عبدالله لا يقاس بذاته بعيدا عن الظروف التي مر بها، على الاقل منذ عشر سنوات الى اليوم... فطوال هذه السنوات تصدى العاهل السعودي للخطاب التكفيري ونجح بدعوة الوسطية والاعتدال بما هما من صلب الدين الاسلامي وروحه...

وطوال سنوات التصدي كادت العلاقات السعودية مع دول العالم ان تصل الى ادنى مستوياتها بسبب تأثرها من موجات التعصب الداخلي التي كانت تجتاح البلاد، وتدفعها الى الاتهام بان السعودية هي الحاضنة الطبيعية لابن لادن وغيره، ولكل أنواع الافكار المتطرفة التي تعتمد على الالغاء والمحاربة.

حرب خادم الحرمين التنويرية لم تكن سهلة عليه في بيئة تجنح في بعضها الى التطرف وتكفير ما عداها من اصحاب الافكار المخالفة لكنه استمر بالحرب الوسطية الى ان وصل اليوم الى المجاهرة برفضه لنظرية صدام الحضارات وبدعوته الى التعايش السلمي بين البشر واحترام كل طرف لمقدسات الطرف الآخر وهويته...

هذه المجاهرة لا تعني إلا ان خادم الحرمين الملك عبدالله بن عبدالعزيز قد نجح في حربه على التطرف والغلو داخل مجتمع دخلت في مفاهيمه افكار لا تنتسب في مجملها الى روح الدين بقدر ما تنتسب الى روح التقاليد والعادات وكلها مفاهيم متزمتة ومتعصبة ومتطرفة تجافي اعتدال الدين ووسطيته.

في السابق كان صعبا على الحاكم السعودي ان يتحدث بشكل شفاف عن التعصب الديني أو عن روح الدين وجوهره، فمخالب المؤسسة الدينية كانت حادة ومتاجرتها بالدين كانت رائجة ومتوسعة ومنتشرة خارج المملكة الى الكويت ودول الخليج وغيرها...

خادم الحرمين بدأ الحرب على هذه المؤسسة بعد ان اعلنت الحرب عليه وعلى بلاده وعلى ابناء شعبه وشنت عليه كل صنوف الارهاب والتفجيرات وأنواع قتل الابرياء وهم في مخادعهم وشعر انه غير بعيد عن النيران التي اندلعت في 11 سبتمبر في نيويورك وواشنطن.

ورغم ذلك لم يستطع ان يرد عنه في حينها كل الخيبات التي نزلت بعلاقات المملكة مع اميركا إلا بعد ان رفع رمح الوسطية وسار به وتمكن من النجاح ومن فك ارتباط بلاده القسري بأنواع الارهاب واشكال التطرف والتعصب.

وحين استوى الأمر له بالداخل انتقل خادم الحرمين لممارسة دور بلاده وموقعها من الدين في الخارج فدعا الفاتيكان ومنظمة المؤتمر الاسلامي لبحث قضية الرسوم المسيئة انطلاقا من خلفية الدين ذاتها التي لا ترى مبررا لصراع الحضارات وقتال المفاهيم...

الهدف من هذه الحركة هو الارتقاء بالموقف فيصبح انسانيا بدل أن يظل محصورا في خطاب موجه في ناحية واحدة ولا يعبر عن الوسطية والاعتدال ويؤسس الى حرب حضارات وصراع اديان ودخوله الى هذه المعاني والاهداف كان عبر الفاتيكان ومنظمة المؤتمر الاسلامي ليثبت عملانية الموقف والخطاب وبأن خادم الحرمين الملك عبدالله عارف بالقنوات التي يجب الدخول منها للوصول الى قلب العالم الآخر واطمئنانه وتدبير شؤونه.

حرب الوسطية التي خاضها خادم الحرمين الملك عبدالله امتازت بالشفافية والصدق وادت الى تكاثر الوسطيين في المملكة وتكاثر العارفين بأن آيات الرحمة أكثر من آيات العذاب والعقاب في كتاب الله.

إن خروج البعض عن وحدة المسلمين تجاه الرسوم المسيئة ولجوئهم الى العنف والتخريب للتعريب عن الاستياء منها لم يؤثر في صورة الوسطية لدى الاكثرية وكذلك دعوة منظمة المؤتمر الاسلامي ودولة الفاتيكان لاحتواء القضية كانت مؤشرات تفيد بأن خادم الحرمين الملك عبدالله يريد عالما بأديان متسالمة ومتصالحة ومنسجمة مع جوهرها المحرض على الحب والاخاء والتعايش والرافض للمحاربة والاقتتال.

إن وضع الدين في خدمة الغرض السياسي هو الذي اشعل كل هذه الكراهية لكن هذا الاستخدام المتعسف للدين قد بدأ ينتهي الى استخدام بلا تأثير بعد ان نهض اصحاب الاديان الى الالتقاء في جوهر ايمانهم الجامع ونجاحهم في اطفاء حرب الحضارات المزعومة لانها ليست من الدين ولا علاقة لها برسالته، هذا هو دور ولي الامر الصالح ودور بلاده.