بينما كان رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أبو مازن يدعو أعضاء المجلس التشريعي الجديد والحكومة المقبلة إلى الالتزام بالاتفاقات المبرمة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل ـ وفي مقدمتها اتفاق أوسلو كان قسم من نواب المجلس التشريعي المنعقد في رام الله يستمعون إليه من على البعد في غزة.

فقد حالت القوات الإسرائيلية بينهم وبين السفر الى مقر برلمانهم في رام الله.هذا هو أحدث مثال لمدى احترام إسرائيل للاتفاقات التي يستحث الرئيس الفلسطيني أعضاء البرلمان على الالتزام بها.

وهكذا حفل خطاب الزعيم أبو مازن بالكثير من الرؤى التي يكذبها الواقع المرئي سواء من ناحية الممارسة الإسرائيلية أو مسلك رئاسة السلطة الفلسطينية نفسها.

لقد قال أبو مازن ـ وكان يتكلم في حفل تنصيب المجلس التشريعي المنتخب ـ انه يرفض التهديدات الإسرائيلية «بمعاقبة الفلسطينيين على خيارهم الديمقراطي» المتمثل في اكتساح «حماس» للانتخابات البرلمانية، غير ان الواقع يقول عكس ذلك.

فالشروط التي طرحها القادة الإسرائيليون للتعامل مع حكومة مرتقبة تسيطر عليها حماس هي تقريباً. ذات الشروط التي ظل يعلنها رئيس السلطة الفلسطينية أو كبار مساعديه بحيث ان رؤية أبو مازن إلى حماس تتطابق تماماً مع الرؤية الإسرائيلية.

فسواء من ناحية اسرائيل أو من ناحية رئيس السلطة فإن الحكومة «الحماسية» المرتقبة مطالبة بالاعتراف بمشروعية اتفاق أوسلو مما يعني الاعتراف بالدولة الإسرائيلية من دون مقابل.

لقد طالب الرئيس الفلسطيني الحكومة المقبلة بأن تتبنى رسمياً النهج التفاوضي مع إسرائيل «كخيار استراتيجي سياسي واقعي». لكنه اذ قال ذلك فإنه أقر من جانب آخر من خطابه المطول بأن إسرائيل زاهدة في أي تفاوض جدي مع الفلسطينيين مفضلة ـ كما اعترف ـ تطبيق مخططاتها الأحادية مع تجاهل تام للطرف الآخر.

وامتداداً لهذا السياق أقر أبو مازن بأن إسرائيل ليست ماضية في استكمال بناء الجدار الفاصل وضم مستوطنات الضفة الكبرى الى السيادة الإسرائيلية وتهويد القدس بالكامل فحسب بل انها أصبحت تعد العدة لضم أراضي وادي الأردن من الناحية الشرقية للضفة.

اذا كان هذا الزعيم الفلسطيني الذي من المفترض ان يكون على رأس حركة تحرير الأرض الفلسطينية من الاحتلال يقر بأن القادة الإسرائيليين ماضون في حسم قضايا الوضع النهائي وفقاً لشروطهم ومخططاتهم الأحادية الجانب مما يؤدي لتكريس الاحتلال .

وتوسيع إطاره فما هي جدوى الالتزام بالنهج التفاوضي كخيار استراتيجي أوحد؟ كيف يتفاوض الفلسطينيون مع طرف أجنبي لا يرغب في التفاوض فلايزال يعتبر الفلسطينيين شعباً بلا أرض؟

على مثل هذه الاسئلة المصيرية لا يقدم رئيس السلطة الفلسطينية سوى إجابات أقل ما يقال عنها انها ساذجة ـ اذا افترضنا حسن الظن. فهو يدعو إلى «المقاومة السلمية» للاحتلال.

والمعنى وراء المعنى ليس عسير الاستنباط. فالمراد للشعب الفلسطيني هو ان يسلي نفسه بمظاهرة سلمية تلو مظاهرة الى ان تتمكن إسرائيل من استكمال تطبيق مخططاتها الأحادية على الأرض.

لكن هل هذا حقاً ما يريد الشعب الفلسطيني لنفسه من خلال انتصاره الزلزالي لحماس؟