نصحت إحدى الدراسات الموظفين عموماً باختلاف وظائفهم وتخصصاتهم وجهات عملهم بعدم تجاهل حالات معينة قد تنتابهم من حين لآخر وهم على رأس وظائفهم لأنها تحمل في ثناياها مؤشرات حقيقية لعدم الرضى الوظيفي. وأكدت على أهمية التعامل مع هذه الحالات بجدية ومواجهتها فيما إذا شعر المرء لوقت متواصل بأحدها أو بأكثرها.
إذا ما شعر الموظف دوماً بخوف وكراهية لبداية كل أسبوع لأنه مرتبط بالعمل، وفي المقابل لا يطيق انتظاراً لنهاية كل أسبوع لأنه خلاص من الوظيفة فهو احد المؤشرات على عدم الرضى الوظيفي.
إذا ما لازمه الشعور بالملل أثناء العمل أو الإحساس بالتعب والإرهاق المميت أو الضياع وعدم وضوح الاتجاه السليم أو فقدان الحماس وعدم الرغبة في مواجهة الأشخاص وخاصة مديره المباشر أو فقد الميل لحضور أي اجتماع أو نقاش فهي مؤشرات على عدم الرضى.
كذلك بحثه الدائم بينه وبين نفسه عن الخلاص وعدم القدرة على إيجاد السبيل إليه إضافة إلى شعوره بأن ضغوط العمل تلازمه حتى وهو في البيت فهو بلا شك غير راضٍ عن عمله.
عدم الرضى الوظيفي بكل حالاته هو في النهاية حاجة ملحة لإدخال تغيير ما في حياة الشخص بشكل عام وفي وظيفته بشكل خاص. والرضى الوظيفي من المفاهيم التي استحوذت على اهتمام خاص ونوعي من قبل آلاف الباحثين والدارسين لأكثر من 60 عاماً.
ورغم ذلك لم يكن هناك تعريف مختصر وجامع له حتى اليوم. فهو من المفاهيم الغامضة والملتبسة، الأمر الذي نتج عنه تنوع كبير في تأطيره إضافة إلى صعوبة في إجراء مقارنات بين نتائج البحوث التي تناولته بالدراسة والبحث لأن كل باحث يتعامل مع تعريف مختلف له عن الباحث الآخر وبالتالي يصل إلى نتائج مختلفة.
إلا أن أكثر التعريفات شيوعاً وقبولاً هو التعريف الذي اقترحه 1969 (Locke) حيث عرف الرضى الوظيفي بأنه «الحالة العاطفية الايجابية الناتجة عن تقييم الشخص لوظيفته أو ما يحصل عليه من وظيفته».
ومن الأمور المهمة والمتعلقة بالرضى الوظيفي هو انه ليس مركباً أحادي المحتوى، بمعنى إننا لا نستطيع الجزم بأن فلاناً راض والآخر غير راض. فرضى الموظف في عمله له أبعاد كثيرة منها الرضى الداخلي الذي يتحقق من خلال الشعور بالانجاز وتحقيق الذات والمتعة في العمل أو من خلال الرضى الخارجي من خلال المكافآت المالية والترقية .
أو ان يكون الرضى عاما عندما يجمع الاثنين معا. والكثير من الدراسات ابتعدت بالرضى الوظيفي عن المفهوم التقليدي واعتمدت على تقصي المواقف وردود أفعال الموظفين المختلفة في وظائفهم.
ففي المؤسسة الواحدة قد نجد موظفين اثنين لهما نفس مستوى الرضى الوظيفي إلا أن تجربتهما تجاهه مختلفة، فتجد الأول راضياً عن الراتب المادي وغير راض عن بيئة العمل مثلا في حين أن الآخر راض عن شعوره بالانجاز في حين انه غير راض عن علاقته مع زملائه.
في التسعينات فقد معظم مديري الشركات والمؤسسات حماسهم للمضي قدماً في إجراء مزيد من الدراسات والبحوث عن الرضى الوظيفي عندما كشف العديد منها ان العلاقة بين رضى العاملين وإنتاجيتهم ليست مؤكدة وأن العلاقة بين هذين المتغيرين ليست دوما ايجابية، بمعنى ان زيادة الرضى الوظيفي لا تؤدي بالضرورة إلى زيادة الإنتاج.
بل توصلت بعض الدراسات إلى نتيجة عكسية مفادها ان زيادة الإنتاج هي التي تؤدي إلى الإحساس بالرضى الوظيفي وليس العكس. إلا أن الدراسات الحديثة أكدت بما لا يدع مجالاً للشك بأن الشركات والمؤسسات التي يتمتع موظفوها برضى وظيفي عالٍ هي شركات أكثر فاعلية.
ويشير المهتمون من أصحاب المبادئ والقيم الإنسانية إلى أهمية أن يهتم المديرون برضى موظفيهم بشكل كبير لعدة أسباب:
أولها: أن الموظفين الراضين في وظائفهم يقل لديهم احتمال تركهم للوظيفة كما لا يتكرر عندهم الغياب عن العمل. ثانياً: يقل لدى الموظفين الذين يتمتعون برضى وظيفي الميل إلى الشكوى والتذمر والجنوح إلى السلبية والعدائية في العمل.
ثالثاً: الموظفون الراضون اقل عرضة للإصابة بالأمراض ويعيشون لمدة أطول.
رابعاً: الموظفون الراضون يصبحون أيضاً مواطنين راضين وصالحين. أي أن الرضى الوظيفي للعاملين يصون الشركات من الخسائر المادية التي قد تضطر إلى صرفها على الموظف المريض أو الذي يتغيب أو يستقيل، كما ان الشركات تكون قد ساهمت في القيام بدورها تجاه المسؤوليات الاجتماعية من خلال تأمين الأجواء المناسبة لترعرع مواطنين مسالمين وصالحين.
وبالعودة إلى الموظفين الذين يشعرون بعدم رضى وظيفي ينصح دائما بأن يقوموا بتشخيص حالتهم وعدم رضاهم بشيء من الدقة قبل الشروع في اتخاذ قرار ما وتطبيقه بتسرع. فينبغي ان يتعرف الشخص عن قرب عن الأسباب الحقيقية لعدم رضاه، كما ينبغي أن يحدد بدقة نوعية التغيير الذي يحتاج إدخاله في حياته ووظيفته.
الكثير من الأشخاص يشعرون بالرضى والحب تجاه عملهم إلا أن كراهيتهم لمديريهم المباشرين تكون سببا لكراهية العمل ككل. وهناك من يحب عمله إلا أن بيئة العمل من تفشي ممارسات وسلوكيات غير مستساغة إضافة إلى عدم توفر المكان المناسب والتهوية المناسبة والإضاءة الجيدة قد تخلق حالة من عدم الرضى تدفع الموظف إلى التفكير في ترك الوظيفة.
ومن أكثر الفئات تأثرا ببيئة العمل هم الصحافيون. فقد أثبتت العديد من الدراسات أن الأسباب التي تقف خلف رغبة الصحافيين بترك العمل الصحافي تعود لأسباب في مقدمتها فقدان الشعور بالحرية في العمل، وصعوبة التعامل مع الإدارات في المؤسسات الصحافية إلى جانب عدم اتفاقهم في معظم الأحيان مع السياسات التحريرية لصحفهم.
كما تلعب عوامل أخرى في المؤسسات الصحافية دورا غير يسير في الضغط على الصحافيين أبرزها عدم وجود نظام معلوماتي واضح يتم من خلاله توصيل المعلومة إليهم إلى جانب ضغوط طبيعة العمل الصحافي من صعوبة وضع نظام لتقويم الأداء إلى التوتر الدائم بسبب تسارع الأحداث ومنافسات السبق الصحافي.
مديرة إدارة التطوير في المجموعة الإعلامية العربية
Heyamm@albayan.ae