فور تكليف «حماس» بتشكيل حكومة فلسطينية جديدة، بادرت إسرائيل إلى شن حرب التجويع على الشعب الفلسطيني، واستحضرت كل أسلحتها لهذا الغرض، أوقفت تحويل حوالي 50 مليون دولار شهرياً، الى السلطة.
والتي تجمعها من رسوم الضريبة المضافة على المنتجات التي تدخل الضفة الغربية وغزة مع عائدات الرسوم الجمركية عليها، وهذا المبلغ يشكل 30% من موازنة السلطة الفلسطينية.
أيضاً أطلقت حملة واسعة ترمي إلى تحريض المجموعات الدولية المختلفة لوقف مساعداتها الإنسانية للشعب الفلسطيني، بالإضافة الى ذلك قررت تل أبيب اعتماد إجراءات قاسية تفضي إلى التضييق على دخول العمال الفلسطينيين الى إسرائيل طلباً للعمل.
يضاف إلى ذلك ان واشنطن كانت هي الأخرى، قد طلبت استرداد مبلغ 50 مليون دولار ـ قبل أيام ـ من مساعداتها للسلطة وقد تمت تلبية الطلب، في وقت يقف فيه الوضع المالي للسلطة على حافة أزمة تقترب من الإفلاس، حسب ما اعترف الرئيس الفلسطيني، الأمر الذي يضاعف من شدة الضائقة.
ويؤدي في حصيلته الى شد الخناق حول رقبة الشعب الفلسطيني للحيلولة دون وصوله إلى لقمة العيش، وقد قالها المسؤولون الإسرائيليون صراحة ومن دون ان يطرف لهم جفن: إن السبب المعلن هو معاقبة الفلسطينيين على نتائج الانتخابات الأخيرة.
وكانت جريدة «نيويورك تايمز» قد ذكرت الأسبوع الماضي ان هناك خطة أميركية ـ إسرائيلية وضعت موضع التنفيذ، غايتها عرقلة الحكومة الجديدة المقبلة للإطاحة بـ «حماس»، وتقضي الخطة بمحاصرة الوضع الفلسطيني من الجوانب الاقتصادية والمالية كافة. وبما يؤول الى تدفيع الفلسطينيين ثمن ممارستهم لحق الانتخاب.
وهو نفسه الحق التي تزعم واشنطن انه مطلوب تعميمه في المنطقة، الأمر الذي يعني التجويع اذا انتخبوا واختاروا، والمقاطعة مع العزلة اذا بقوا من غير انتخابات، وهو مبدأ لاقى الكثير من الاستهجان، في أكثر من مكان في هذا العالم، بصرف النظر عمن وقع عليه الاختيار.
حتى في الولايات المتحدة نفسها كان هناك من أعرب صراحة عن رفضه لمثل هذا التعامل الذي يقف على رأسه، وحذّر من عواقبه، يقول الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر، في مقالته المنشورة في جريدة «واشنطن بوست» بتاريخ 20 فبراير ـ «إن حماس تطرح تشكيل حكومة وحدة وطنية سلمية.
فإذا كان ذلك صحيحاً، لابد من إعطائها الفرصة وحذر من «أن أي تواطؤ بين أميركا وإسرائيل لمعاقبة الشعب الفلسطيني ستكون له نتائج عكسية وآثار مدمرة، ذلك ان زيادة التضييق، لن تؤدي سوى الى استعداء الفلسطينيين الأبرياء والمظلومين وصب الزيت على نار العنف والحث عليه».
الرئيس كارتر أصاب كبد الحقيقة. كان عنده من الشجاعة الأدبية ما يكفي لوضع الإصبع على الجرح وللرد غير المباشر على الدعوات والخطوات، التي اتخذت في الكونغرس والبيت الأبيض لوقف المساعدة للسلطة الفلسطينية والمعروفة حوافزها وأغراضها، فإذا كان من غير المستغرب ان تلجأ إسرائيل الى مثل هذا السلاح فلماذا تتماهى واشنطن معها وهي العارفة ان التجويع والحصار لا يؤديان سوى إلى الانفجار؟