في أقل من أسبوع تعرض الوجود الأمريكي بالعراق لضربتين قاصمتين. أولاهما تمثلت في الكشف عما سمي بفرق الموت داخل وزارة الداخلية العراقية، على الرغم من تأكيدات واشنطن التي تلت فضيحة السجن السري التابع للوزارة ذاتها بأنها لن تسمح لأي من القوى العراقية باستغلال الوضع الجديد لتصفية حساباتها مع القوى الأخرى، خصوصا وأن الوضع الطائفي يعاني أصلا من احتقان بسبب العمليات الإرهابية التي ينفذها تنظيم القاعدة بزعامة أبو مصعب الزرقاوي ضد الأبرياء.

لقد ثبت أن فرق الموت هذه مارست على مدى وقت طويل أعمال انتقام طائفي، يتوقع لها أن تؤثر بشكل كبير في تعقيد الوضعين السياسي والأمني في بلد قالت واشنطن عندما غزته في عام 2003 إنه سيكون واحة للديمقراطية، ومثالا للتعايش الطائفي والعرقي.كما ثبت، من خلال الربط بين هذا الحدث، وسوابقه الشبيهة، أن الحلول التي أعلنها البيت الأبيض لمنع تكرار هذه الممارسات لم تؤد إلى نتيجة يلمسها العراقيون.

أما الفضيحة الثانية فتمثلت في الصور الجديدة التي سربت من داخل الكونجرس إلى قناة تلفزيونية أسترالية حول تعذيب المعتقلين العراقيين في سجن أبو غريب، وهي الصور التي أكدت أن العقوبات التي اتخذتها الإدارة الأمريكية بحق المتورطين في هذه الفضيحة كانت مخففة إلى أقصى حد، كما أكدت أن هناك الكثير من الأسرار التي طواها البيت الأبيض متصورا أن الأزمة قد انتهت، وأن بإمكانه أن يعود مجددا إلى استخدام قضية حقوق الإنسان، للضغط على الدول التي يسميها بالمارقة.

إن هاتين الضربتين تؤكدان أن الفشل الأمريكي بالعراق لا يقف عند حدود العجز في ضبط الوضع الأمني، أو الفشل في دفع العملية السياسية إلى الأمام. وإنما يشمل أبعادا أخرى إنسانية وأخلاقية لا يمكن مواجهتها بعمليات دهم ومطاردة واعتقال، ولا بإعادة نشر القوات، ولا بتكثيف التصريحات البراقة حول قرب إعادة السيادة للعراقيين.

المطلوب من الإدارة الأمريكية، هو أن تراجع قصة وجودها بالعراق حتى تصل إلى مخرج حقيقي من محنتها الخاصة هناك. كما أن عليها، كي تستعيد الثقة التي فقدتها، لا في العراق فقط، وإنما في العالم كله أن تعترف بأخطائها، وتبحث عن أسلوب آخر للتعامل مع الدول الأخرى، بدلا من التشبث بمجموعة خيارات تعمق من كراهية الشعوب لها.