من سنن الحياة ان يكون المقابل لاي شيء يحصل عليه الإنسان هو العطاء، فمن لا يعطي لا يأخذ.

إنها بديهة من البديهيات، تسري على كل شيء، خاصة في عصرنا الحديث، عصر المادة، حيث هناك أجر مقابل العمل، ودخل مقابل الجري خلف الرزق، وتصفيق مقابل الإجادة، وشهادة مقابل الدراسة، وتوبيخ مقابل الخطأ، لكل شيء مقابل، الا رعاية الدولة لمن يحتاج إلى العطاء فهي دون مقابل.

كان لابد من تلك المقدمة الطويلة ردا على تصريح معالي وزيرة الشؤون الاجتماعية، لانني أعجبت بما جاء فيه من تحديد لسياسة الوزارة في المرحلة المقبلة.

فالوزيرة وبحكم توليها إدارة قطاع الشؤون في السابق عاصرت كل هموم وقضايا ذلك القطاع القائم فقط على الضمان الاجتماعي المسمى اختصارا »الشونه«، وكنت اخشى ان تطغى الفكرة المسبقة على إدارة الوزيرة.

وان تعمل على الاستمرار في التعامل مع الحالات المستحقة للضمان الاجتماعي بعين الريبة والشك، ولكن التصريح بدد الخوف، خاصة عندما قالت الوزيرة بأن صرف الإعانات سيستمر لمن هم غير قادرين على العمل.

وهنا نحن نضع أسسا ومباديء للضمان الاجتماعي، وسواء استعانت الوزارة بقوانين وتطبيقات الدول المتقدمة أو اكتفت بدراسة الواقع الذي نعيش فيه، فالمطلوب ان توضع القواعد التي سنسير عليها مستقبلا، ونعيد ونكرر ما قلناه من قبل، بأن الإعانات ليست بدعة ابتدعناها.

وليست اختراعا نكتشفه اليوم، وليست ترفا يسعى اليه المحتاج، والفقير، بل هي حق كفلته الشرائع السماوية، ونظمته التشريعات البشرية، وهو لهذا يكون خارج مبدأ »الأخذ مقابل العطاء« فالطفل اليتيم لا يطلب منه مقابلا للإعانة التي تقدمها الدولة، والعجوز المحرومة من الابن العائل أو الزوج تتكفل بطعامها وكسائها وسكنها الدولة، والكهل الذي اعطى في السابق لا يطالب بالعطاء .

وهو في أرذل العمر، والأرملة غير المتعلمة وكذلك المطلقة لا يمكن ان يكون البديل للإعانة عملها في مهنة لا تتماشى مع السائد في المجتمع، والفتاة التي تدرس بالجامعة ودخل والدها لا يكفي لتحمل هذه الأعباء، وكذلك الابن الذي تخرج ولم يجد وظيفة يأخذ ولا يعطي.

عند أولئك وغيرهم تسقط البديهة وتتغير سنن الحياة، ولا ينطبق قول القائلين بالعطاء مقابل الأخذ، فالدولة ملزمة بالعطاء في كثير من الأحيان دون ان تأخذ مقابلا شخصيا، لأنها تأخذ استقراراً جماعيا.

myosef_1@yahoo.com