مع نشر المزيد من الصور التي تكشف حالات تعذيب المعتقلين العراقيين في سجن أبو غريب على يد الجنود والضباط الأميركيين يبرز إلى السطح مرة أخرى السؤال الكبير: أين الحكومة العراقية؟

سجن أبو غريب ليس في كوكب المريخ، فهو مبلغ علمنا الجغرافي يقع غير بعيد من العاصمة العراقية بغداد، وإذن فإن السجن جزء من الأرض العراقية التي من المفترض أن تكون خاضعة للسيادة الوطنية العراقية والتي من المفترض أن تكون الحكومة العراقية المنتخبة الرمز الأعظم لها.

ولكن أركان الحكومة ـ من رئيس الجمهورية إلى رئيس الوزراء وطاقم وزرائه ومستشاريهم لم يعلموا بأمر فضيحة الصور الجديدة إلا من خلال الفضائيات العالمية.

دعك من الانتخابات وكتابة الدستور الدائم وإجازته عبر البرلمان والعلم الوطني الذي يرفرف على المباني الحكومية، فالعراق واقع تحت إدارة استعمارية تتخذ من الحكومة الوطنية مجرد واجهة.

فور نشر الصور أصدرت الحكومة العراقية بياناً رسمياً حافلاً بعبارات لفظية فخمة، فالبيان «يدين وبشدة التجاوزات» في سجن أبو غريب، ولدعم هذا «التشدد» قال الناطق باسم رئيس الوزراء ان الحكومة «ملتزمة ببذل قصارى جهدها لمنع تكرار هذه الحوادث، وعند الختام ينطوي البيان على وعيد بالتشديد على ما عبرت عنه الحكومة من قبل «برفضها مثل هذه الممارسات» ومنع تكرارها.

كلمات قوية.. لكنها لا تعني شيئاً لأنها كلها خارج السياق، فالحكومة نأت بنفسها تماماً عن إجراء تحقيق.

هذا هو بيت القصيد، فالحكومة العراقية ـ رغم الانتخابات والبرلمان والدستور الدائم ـ لا تملك سلطة التحقيق مع جنرالات وضباط القوات الأميركية المرابطة على الأرض العراقية، فالقوة الاحتلالية الأجنبية هي السلطة الحقيقية، حتى الإدانة اللفظية النظرية في البيان لم تأت على ذكر الجيش الأميركي، فكيف إذن تنفذ وعيدها «بمنع تكرار» حوادث التعذيب؟

هذه الدفعة من صور التعذيب في أبو غريب على أيدي جنود أميركيين سبقتها دفعة أولى فقبل أيام نشرت صور لمجموعة صبية عراقيين يتعرضون للضرب الوحشي بواسطة جنود بريطانيين. وفي الحالتين كانت الحكومة العراقية عاجزة عن اتخاذ أي إجراء حازم.

إنها حكومة واجهة فقط، فبالإضافة إلى وجود القوات الاحتلالية هناك في كل وزارة عراقية «مستشار» أميركي هو الآمر الناهي الأعظم، وأعضاء الحكومة أنفسهم يعتمدون في بقائهم أحياء على الحماية الأمنية الأميركية، فهم يعيشون ويعملون على مدار الساعة داخل «المنطقة الخضراء» المحصنة بواسطة القوات الأميركية.

ومثل «المنطقة الخضراء» فإن سجن أبو غريب خارج تماماً عن السيادة الوطنية العراقية، وحتى لو تجرأ أعضاء الحكومة على المطالبة بانسحاب أميركي من أبو غريب فإن قيادة القوات الأميركية ستلوح لهم بالانسحاب من المنطقة الخضراء أيضاً.

إنها حالة استعمارية كاملة لا شك فيها.