فازت (حماس) فوزاً مؤزراً، وحصلت على غالبية مقاعد المجلس التشريعي، وحق لها ان تشكل حكومتها، وفرح «الإسلاميون» بهذا الفوز المبين وارتفعت معنوياتهم وتجددت آمالهم بالسلطة والتمكين، وقام وفد حماس برئاسة خالد مشعل بجولة في البلاد العربية للتشاور وتأمين الدعم السياسي والمالي لمواجهة الضغوط الدولية.

ولقي الوفد كل الحفاوة من قبل جماعات الإسلام السياسي وبخاصة «الإخوان» ـ التنظيم الأم ـ كما بارك القوم لحماس فوزها العظيم. ولم يتورّع أحد كبار الرموز الدينية من تسخير (منبر الجمعة) لتأييد حماس مؤكداً (ان اختيار الشعب الفلسطيني لحماس يدل على وعي أمتنا الحقيقي)!!

الآن من حق حماس ان تشكل حكومتها وتمارس سلطتها ممثلة للشعب الفلسطيني، وفق منظورها وتوجهاتها، ولا جدال في ذلك، ولكن قوى المجتمع الدولي تريد ان تطمئن إلى سلامة توجهات الحكومة الفلسطينية وانسجامها مع الالتزامات الدولية، بدءاً من «أوسلو» وحتى «خريطة الطريق».

وهذا يعني تخلي حماس عن العنف، وإلقاء السلاح، والاعتراف بإسرائيل، ومواصلة المفاوضات، وهي مطالب التزمت بها «السلطة الفلسطينية» كشرط ضروري لمواصلة المساعدات المالية وتمويل المشاريع المختلفة، وهي تقارب «900» مليون دولار سنوياً، تدفعها الدول المانحة وعلى رأسها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

ويبلغ ما تدفعه الولايات المتحدة ـ وحدها ـ 15% من مجموع المساعدات، وقد بلغ إجمالي مساعدات أميركا منذ أوسلو وحتى الآن «727» مليون دولار.

وتشكل المساعدات الخارجية ما نسبته 65% من إجمالي الدخل، في مقابل 35% إجمالي الناتج المحلي، وهناك ما يزيد على «137» ألف موظف يتقاضون ما نسبته «116» مليون دولار ـ أجوراً ـ وقد بلغ عجز الموازنة الفلسطينية «2 ,1» مليار دولار.

ولقد سارعت السعودية وقطر والإمارات بمساعدات عاجلة بلغت «33» مليون دولار، لدفع أجور الموظفين عندما هدد المجتمع الدولي وإسرائيل بقطع المساعدات إذا لم تغير حماس سياساتها ونهجها نحو عملية السلام.

الآن، تجد حماس نفسها مثقلة بأعباء ـ الفوز الكبير ـ ولذلك يرى طائفة من المحللين أن حماس في «ورطة» أو «مأزق» أو «محنة»، ويقولون إنها وقعت في «الفخ» خشية أن تتغير حماس. وهي بدورها تريد أن تطمئن أنصارها وحلفاءها، أنها على «العهد»، ولذلك يقوم قادة حماس، كل بحسب موقعه والجمهور المحيط به بإرسال رسائل متناقضة.

فيصرح موسى أبو مرزوق بأنه سيتفاوض مع أي طرف من أجل رفع معاناة شعبه، ويقول خالد مشعل إننا لسنا في حالة عداء مع أميركا ونرحب بالاتصال بها ثم تصدر حماس تصريحاً تنفي فتح قنوات اتصال مع إسرائيل. ومرة يصرحون بأنهم سيتعاملون بواقعية مع استحقاقات «أوسلو».

وأنهم على استعداد للاعتراف بإسرائيل إذا اعترفت بالحقوق الفلسطينية، وسيضعون حداً للكفاح المسلح اذا انسحبت اسرائيل الى حدود 1967 ثم يقولون: لن نعترف بإسرائيل ولن نتهاون في دماء إخواننا، ولن ندين العمليات الاستشهادية ولكن يمكن التوصل الى هدنة طويلة مع إسرائيل.

واضح من هذه التصريحات ان حماس تريد الحكم والسلطة، وفي الوقت نفسه تريد الاستمرار في «المقاومة» المسلحة، وهذه معادلة صعبة في ظل الظروف الدولية والاقليمية المحيطة.

ولذلك تبحث حماس عن «صيغة» تشكل مخرجاً مقبولاً أمام «المجتمع الدولي» و«المجتمع المحلي» تجنبها تعديل ميثاقها الرافض لوجود إسرائيل، وتعفيها من الجلوس مع الإسرائيليين على طاولة المفاوضات.

هناك الآن «صيغة» مقترحة ـ عربياً ـ تقوم على ان مسألة الاعتراف بإسرائيل أمر يخص «المنظمة» التي أبرمت الاتفاقيات مع اسرائيل فيمكن حصر المفاوضات برئاسة السلطة «أبو مازن» بينما تتفرغ حكومة «حماس» للشأن الداخلي في مقابل احتفاظ «فتح» بالخارجية والداخلية، وتلعب دول عربية دوراً في اقناع «فتح» بالمشاركة في حكومة وحدة وطنية.

ولكن «إسرائيل» قد لا توافق على حكومة برأسين، هؤلاء يريدون «حكومة» تعترف اعترافاً صريحاً بإسرائيل، وستراقب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي سياسة الحكومة الفلسطينية في الفترة المقبلة، وعلى ضوئها يتخذون قراراتهم باستمرار المساعدات أم قطعها.

قادة حماس يقللون من أهمية المساعدات الخارجية ويراهنون على العرب والمسلمين، والسؤال الذي يحتاج إجابة صريحة هو: ان الولايات المتحدة وبصريح العبارة تقول انها لن تتحمل دفع فاتورة فوز حماس اذا لم تغير سياستها تجاه عملية السلام، فهل العرب مستعدون؟

قال خالد مشعل في الدوحة: «الأمة ستنصرنا على الغرب الذي يهددنا بالتجويع» وهذه «الأمة» التي يقصدها مشعل، ستنحصر في النهاية في الدول الخليجية التي تتحمل العبء الأكبر في المساعدات المالية، وهناك تخوف خليجي وعربي من أن تلجأ حماس إلى إيران.

بطبيعة الحال إن هؤلاء الذين يدفعون حماس لمزيد من التصلب وعدم تغيير سياستها تجاه إسرائيل سوف يصدرون فتاوى تدعو المؤسسات المالية الإسلامية، والجمهور بضرورة دفع الزكاة لحماس لأنها تخوض جهاداً في سبيل الله.

كاتب قطري