وقفت مدرِّسة الفصل حائرة أمام ولي أمر الطالب الذي كان يصر على أن ابنه مسجل في الفصل الذي تقوم بتدريسه، مؤكداً أن إدارة المدرسة قد اتصلت بالبيت طالبة منهم مراجعة مدرِّسة الفصل لأمر يتعلق بسير دراسة ابنه. تذكرت المدرسة أن هذا الطالب قد نُقِل من فصلها قبل عامين تقريبا.

ورغم ذلك قامت بإطلاع ولي الأمر على كشف الطلبة المسجلين لديها في الفصل لتثبت له خلّوه من الاسم قبل أن تصطحبه إلى الإدارة ليكتشف أن ابنه قد نُقِل إلى مدرسة أخرى قبل عامين.

وان من قام بالاتصال بهم هي إدارة المدرسة التي نُقِل إليها، وأنه آخر من يعلم بهذا النقل واسم المدرسة التي يدرس بها الابن لأنه لم يكلف نفسه السؤال عن سير دراسته منذ أن ألحقه بالمدرسة قبل أعوام أربعة!

هذا نموذج لصنف من أولياء الأمور الذين نحن بصددهم، أما النموذج الثاني فيقدمه لنا برنامج البث المباشر ضمن ما يقدم من نماذج وحالات لأفراد وسلوكيات يستفزك بعضها مهما حاولت ضبط أعصابك.

كان صوت المستمع الذي يتحدث من خلال البرنامج يقترب من الانفعال ويميل إلى التهدج وهو يقوم بعرض شكواه، بينما كان المذيع يحاول تهدئة ثورته وضبط إيقاع الحديث لتحويله إلى حوار هادف، سعيا إلى حل القضية التي يطرحها بعد استيضاح الأمر من جميع الأطراف.

أما سبب ثورة المستمع فهو مغالاة المدرسة التي يدرس بها اثنان من إخوته الصغار في طلباتها التي أرهقت الأسرة، والتي يعتقد أنها غير منطقية، بل ومبالغ فيها إلى درجة أنه يشكك في نوايا المدرسات اللواتي يطلبنها. وكان السؤال البديهي الأول الذي وجهه المذيع للأخ الكبير الذي يعتبر نفسه مسؤولاً عن متابعة سير دراسة أخويه الصغيرين هو عن اسم المدرسة التي يدرس بها أخواه لمحاورة مديرتها.

هنا ارتبك المستمع وتردد قبل أن يعطي اسما قال إنه ربما يكون غير دقيق أو تم تغييره، فما كان من المذيع إلا أن سأله عن اسم المنطقة التي تقع بها المدرسة للاستفسار من المنطقة التعليمية التي تقع في دائرتها عن أسماء المدارس الموجودة بها، وبعد جهد قامت به منسقة الاتصالات بالبرنامج أمكن التعرف على اسم المدرسة والاتصال بها.

تقبلت مديرة المدرسة بصدر رحب الشكوى ثم استوضحت عن الفصل الذي يدرس به الطالبان ليرتبك مرة أخرى المشتكي ويتردد قبل أن يعطيها معلومة يتضح خطؤها عندما تقول المديرة إنه لا يوجد بمدرستها فصول من هذا المستوى الدراسي.

هنا وجد المذيع نفسه أمام أخ «أكبر» لا يعرف اسم المدرسة التي يدرس بها أخواه اللذان يدعي مسؤوليته عن متابعة سير دراستهما.

ولا الفصل الذي هما فيه من المرحلة الدراسية التي وصلاها، فاضطر إلى قطع الاتصال عن المستمع بلباقة سعى من خلالها إلى دفع الحرج الذي أوقع المستمع البرنامج فيه، ثم واصل الحوار مع المديرة التي أبدت رغم كل شيء تفهمها للشكوى، وطلبت من المستمع زيارة المدرسة لمعرفة تفاصيل شكواه التي وعدت بحلها بعد الاطلاع على كافة جوانبها.

لا أعرف إذا كان من المناسب أن يكون هذان النموذجان من أولياء الأمور مدخلا معقولا للحديث عن الأسرة وأهمية تماسك بنائها، كي نقدم للوطن أبناء صالحين يمكن الاعتماد عليهم لبناء مستقبل مشرق لا نخشى عليه من عوادي الأيام وتقلبات الزمن.

لكن الذي أعرفه أنهما نموذجان لصنف من البشر موجود بيننا، ربما لا يكون هو الغالب، لكنه يتكاثر بمتوالية تسبب القلق، مشكلا جزءا من أزمة تعيشها مجتمعاتنا العربية التي تعاني من التفكك الأسري.

وتتعرض لنوع لا يمكن تجاهله من انهيار القيم والأخلاق الآخذة في الانحسار لتحل محلها عادات وسلوكيات غريبة لم تكن يوما من السمات التي تشكل نسيج مجتمعاتنا العربية والإسلامية التي غدت اليوم مهددة بغزو فكري وأخلاقي غير مسبوق، من الصعب تجفيف منابعه وسد منافذه.

لكن الواجب يفرض على جميع مؤسسات المجتمع وأفراده الوقوف في وجه طوفانه كي لا يقتلع في طريقه قيماً وأخلاقاً ويهدم بناء كان ذات يوم متماسكاً، رغم الفقر والفاقة وصعوبة العيش، فأصبح اليوم هشاً، رغم كل الرفاهية التي يتمرغ فيها.

لا يقوى على الصمود أمام هجمة المدنية الحديثة وهمجيتها التي تقتلع أول ما تقتلع الجذور من الأرض قبل أن تطيح بالشجرة كلها ليجرفها سيل العولمة والانفتاح وبقية المصطلحات التي نعرفها جميعا وتلك التي في طريقها إلينا، بينما نحن واقفون أمامها فاقدي القدرة على الفعل والحراك.

ربما كان هذا هو ما دعا وزارة الداخلية في دولة الإمارات إلى اختيار الأسرة موضوعا لحملتها الوطنية للتوعية الأمنية التي تنظمها تحت شعار «أسرة مستقرة.. مجتمع آمن» خلال الفترة من 18 ـ 24 فبراير الجاري انطلاقاً من أن «الأمن مسؤولية الجميع» في لفتة ذكية وواعية إلى الدور الكبير والأساسي الذي تلعبه الأسرة في إرساء قواعد مجتمع آمن ومستقر، ذلك أن استقرار الأسرة هو الأساس الذي يقوم عليه استقرار المجتمع.

وما لم يتوفر هذا الاستقرار للأسرة، ويشيع بين أعضائها الأمن العاطفي والنفسي فلن تقدم للمجتمع إلا أفراداً غير أسوياء، مشوهين عاطفيا ونفسيا، يفتقدون الأمان الداخلي، مما يجعلهم عاجزين عن توفير الأمن للمجتمع الذين يعيشون فيه، لأن فاقد الشيء لا يعطيه كما تقتضي أبسط قواعد المنطق المتعارف عليها.

ولأن الأسرة هي اللبنة الأولى في كيان المجتمع، فإن الاهتمام بها هو في المحصلة النهائية اهتمام بالكيان المجتمعي من جذوره، لأنه ما لم تكن الجذور قوية وضاربة بعمق وقوة في الأرض فإن الشجرة معرضة لا محالة إلى الاصفرار والذبول ثم الموت.

وهو ما لا نريده ولا نتمناه للغرس الذي تعهده من كانوا قبلنا حتى كبر وأينع، ولا يصح تحت أي ظرف من الظروف ولا بأي مبرر من المبررات أن نهمله نحن أو نتهاون في مده بأسباب الحياة ليستمر محافظا على عنفوانه، كي نؤدي حق الأمانة التي استلمناها كاملة ويجب أن نسلمها غير منقوصة.

لا أظن أن بيننا من لا يعترف أو ينكر أن مجتمع الإمارات اليوم ليس هو مجتمع الإمارات أمس، فهذا أمر بديهي لأنه من سنن الحياة الثابتة التي لا مجال للمكابرة فيها. هكذا استلم الآباء الأمانة من الأجداد، وهكذا سلموها للأبناء.

وهكذا ينقلها الأبناء اليوم إلى الأحفاد، لكن واقع حركة التبدل والتحول في المجتمعات يقول إن وتيرة هذا التحول تتسارع جيلا بعد جيل، وأن طبيعة العصر قد قلصت مسافة حدوث الفجوة بين جيل وجيل، فعشر سنوات في عصرنا هذا أصبحت كافية كي تمثل فجوة بين جيلين.

بينما كانت ثلاثة عقود من السنين هي الحد الأدنى عند من سبقونا لإحداث هذه الفجوة التي تتمثل في أسلوب الحياة وطريقة التفكير ومنظومة القيم والمثل التي تحكم تصرفات البشر وترسم مسارات حياتهم، وتؤدي بالتالي إلى اتخاذ القرارات المصيرية فيها.

هذه القرارات التي تحدد شكل المجتمع وطبيعة العلاقات بين أفراده، لتصوغ في النهاية نمط الحياة التي يعيشها هؤلاء الأفراد ومقدار الأمن الذي يتمتعون به، ليس الأمن الخارجي فقط، وإنما الأمن الداخلي بالدرجة الأولى، هذا الأمن الذي يضمن لهم حياة سوية خالية من العقد والانحرافات السلوكية التي تنخر في المجتمع وتشكّل أول أسباب تداعيه وانهياره.

«أسرة مستقرة.. مجتمع آمن» شعار موفق لحملة وطنية تستهدف أمن المجتمع الذي هو مسؤولية الجميع، نتمنى أن تؤتي ثمارها بعد أن أحاطت محاورها بكل الجوانب التي تقود إلى معالجة سليمة لقضية تبدأ من البيت الذي يحتضن الأسرة وتنتهي بالوطن الذي يحتضن الجميع، فهل نعتبر أنفسنا جميعا في حملة شعارها نحن أولا وأخيرا؟

هذا ما نتمناه ونرجوه وندعو إليه.

كاتب إماراتي

aliobaid2000@hotmail.com