قبيل المؤتمر الصحافي الذي عقده قادة «حماس» بقيادة الأخ خالد مشعل في نقابة الصحافيين المصريين، كان الحديث عن الاتصالات العربية والجولة التي ستعقب زيارة القاهرة، وتساءلت: هل من زيارات لدول أوروبية؟ وكانت الإجابة:
ليس بعد، فلم نتلق حتى الآن أي دعوات بهذا الصدد، ولكن ذلك لا يمنع من وجود اتصالات مستمرة مع أطراف عديدة في أوروبا وغيرها. وحتى قبل الانتخابات كانت هناك وفود من سياسيين نافذين في الاتحاد الأوروبي في الضفة وغزة، وكانت هناك محادثات بيننا وبينهم، وكانت الأجواء إيجابية، ونحن نتوقع انفتاحاً في هذا الشأن في المستقبل القريب.
ورغم اللهجة المتفائلة التي تحدث بها قادة حماس، فلا أظن انهم كانوا يتوقعون أن يتم اختراق حائط المقاطعة الذي تبنيه أميركا وإسرائيل بهذه السرعة.
وأن يأتي هذا الاختراق من موسكو بالذات، وبالصورة التي مثلت تحدياً سافراً للإدارة الأميركية التي كانت قد أطمأنت إلى الموقف الروسي عبر بيان «الرباعية» الذي كرر الحديث عن شروط التعامل مع حماس وضرورة اعترافها بإسرائيل والتزامها بالاتفاقات التي وقعتها السلطة والتخلي عن «المقاومة»، التي أصبحت في القاموس الأميركي «إرهابا» !
ومن هنا كان إعلان الرئيس الروسي بوتين عدم تصنيف «حماس» في دائرة الإرهاب مدخلا معقولاً للتعامل مع الوضع المعقد الحالي، وهكذا كان أيضا اعتراضه على تجميد المساعدات الدولية للفلسطينيين.
لكن الأمر بدأ في التقاطع مع السياسة الأميركية حين أكد على أن «البعض يريد من روسيا التدخل كمفاوض أساسي حاليا، وإذا لم تنجح سيقولون روسيا فشلت، متجاهلين أننا لسنا من أوصل الأمور إلى المأزق الحالي» ورغم أن بوتين أكد أن «روسيا لن تتهرب من مسؤوليتها »®.
فإن أحدا لم يتوقع أن يكون التحرك بهذه القوة حين تم الإعلان عن دعوة وفد من حماس لزيارة موسكو أربكت كل الحسابات الأميركية، وأطاحت بصواب تل أبيب، ودفعت الأمور في اتجاه آخر خاصة بعد إعلان فرنسا عن ترحيبها بهذه الخطوة.
بالطبع.. فإن موسكو تنطلق من مصلحتها الخاصة وهي تحاول العودة للمنطقة مستغلة الفشل المدوي للسياسة الأميركية، وأيضا فإن أحداً لا يتوقع أن تمضي موسكو في تحديها لواشنطن إلى نهاية الطريق.. خاصة في ظل ظروفها الاقتصادية، وفي ظل ضغوط خارجية، وفي ظل «لوبي» يهودي داخلي له نفوذه الإعلامي والاقتصادي والسياسي وله امتداداته الخارجية.
ومع ذلك تبقى للخطوة أهميتها القصوى ليس فقط في كسر الحصار على «حماس» ولا في فتح أبواب جديدة للتعامل مع القضية الفلسطينية، ولكن في ما هو أهم.. وهو ضرب الأساس الذي يدار به الصراع العالمي الآن بحيث يكون العرب والمسلمون هم أول وأبرز ضحاياه!
إن السياسة الأميركية في المنطقة مرهونة لإسرائيل بفعل مخطط اليمين الصهيوني المتحكم في سياسة واشنطن والذي استغل أحداث 11 سبتمبر لتنفيذ مخططه الموضوع سلفاً والقائم على وضع العرب والمسلمين كعدو أساس للحضارة الغربية ثم كموصومين جميعاً بالإرهاب بحكم انتمائهم للحضارة العربية والدين الإسلامي!!
الآن تأتي روسيا وهي تحمل آثار الحرب في الشيشان أيا كان موقفنا منها، وتحمل أيضا عبء اللوبي اليهودي النشط المؤثر، وتحمل ضغوط واشنطن الهائلة، ومع ذلك كله تعلن أن «حماس» ليست حركة إرهابية.. أي أنها حركة مقاومة وطنية مدعوة للتباحث في مستقبل الشعب الفلسطيني.
وأيا كانت النتائج التي ستصل إليها المباحثات بين موسكو وحماس، فإن هذه الخطوة لا ينبغي أن تفلت منا.. ليس فقط على مستوى التعامل مع القضية الفلسطينية، بل أيضا على مستوى مواجهة حملة الكراهية والاتهام بالإرهاب الموجهة للإسلام والمسلمين، ومخطط إعادة صياغة الوطن العربي ورسم خريطته من جديد وفقاً للمصالح الأميركية.
إن وراءنا تجربة سنوات أعطينا فيها أوراق اللعبة كلها لواشنطن ظناً منا أن ذلك سيؤدي إلى التسوية العادلة للقضية المركزية للعرب وهي قضية فلسطين، وان ذلك سيدفع الولايات المتحدة إلى موقف متوازن تكون فيه هي «الراعي» الأمين الذي ينفذ إرادة الشرعية الدولية.. فماذا كانت النتيجة؟
تاهت القضية الفلسطينية في دهاليز مشاريع التسويف التي لا هدف منها إلا استمرار التفاوض وضياع الحقوق وتأجيل القضايا الأساسية، ودخلت المنطقة (مع غزو العراق) في مرحلة تستهدف تجريد العرب من عروبتهم وتجزئة أوطانهم المجزأة أصلا لتصبح وحدات منقسمة على أسس طائفية وعرقيه يسهل معها تتويج إسرائيل لتقبض على مصير المنطقة لصالح الإمبراطورية الأميركية الأعظم.
ورغم كل ذلك، فقد كان الرد العربي هو الاستسلام للمصير. وبدلاً من مقاومة هذه المخططات، ومحاولة بناء تحالفات دولية تحقق التوازن المفتقد رضخنا بل وبددنا الرصيد الدولي الذي كان بأيدينا.. كان الاتحاد السوفييتي (روسيا لاحقا) والصين والهند في مقدمة الدول المؤيدة للحقوق العربية.
فابتعدنا عنها لإرضاء الأميركان بينما كانت إسرائيل تنسج خيوط علاقات وطيدة بهذه الدول وصلت الآن إلى مرحلة متقدمة عسكريا واقتصاديا. ونفس الشيء حدث مع حلفائنا الطبيعيين في آسيا وافريقيا وأميركا الجنوبية.
وكل دول العالم الثالث التي كنا من بناة تحالفها وقبل ذلك من مناصري تحررها. تخلينا عن حلفائنا ووضعنا أنفسنا رهينة أن كل أوراق اللعبة بيد واشنطن وعلينا أن نرضى بما تقرره لنا.
الحصار الآن ليس خطراً يهدد الشعب الفلسطيني عقابا له على ممارسة حقه الديموقراطي فقط، وليس سيفاً يتم التلويح به في وجه سوريا فحسب، ولكن الحصار واقع مفروض على الأمة كلها بهدف تجريدها من هويتها.
وضرب أي فرصة لتحقيق أهداف شعوبها في أن تكون جزءاً فاعلاً في عالم يتشارك فيه الجميع بدلاً من أن يخضعوا لهوس المسكونين بفكرة السيطرة على العالم ومنع أي منافسة لإمبراطوريتهم التي يرون أنها ينبغي أن تظل الأقوى والأعظم لآخر الزمان.
الأمة محاصرة، يراد لها أن تبقى في تخلفها، وأن تكون هي التجسيد لفكرة الإرهاب عند الغرب، فهل ننتهز الفرصة المتاحة الآن من خلال الخطوة التي أقدمت عليها موسكو، وهل نبدأ معها حواراً تشارك فيه القوى العربية الفاعلة.
ويمتد بعدها إلى بكين ونيودلهي وباريس وبرلين وغيرها من أجل كسر الحصار وضرب المخطط اليميني الصهيوني لوضع العرب والمسلمين في دائرة الاتهام الدائم بالإرهاب.. أم أننا سنواصل رحلة ثلاثين عاما من البقاء في دائرة رد الفعل وانتظار أن يمن علينا الآخر بكل شيء.. من السلام الذي نريده عادلا وشاملا، وحتى الديمقراطية التي يريدونها أن تحقق مصالحهم وحدها، وإلا انقضوا عليها كما يفعلون الآن مع الفلسطينيين؟
نقيب الصحافيين المصريين