لم يكن نشر الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة لنبي البشرية صلى الله عليه وسلم بالون اختبار لقياس مشاعر المسلمين ودرجة تعلقهم بدينهم وبنبيهم، بقدر ما كان بالون اختبار لقياس مدى تحرر القارة العجوز من عقدتها من الإسلام والمسلمين، وبذلك يكون الاختبار قد نجح في الخروج بنتيجتين:
الأولى: إن أوروبا لا تزال تعيش أجواء الحروب الصليبية وسقوط القسطنطينية والغزو العثماني، وتتحصن بالصليبية الحاقدة، ولا تنظر إلى التخوم الجغرافية التي يقطنها مليار ونصف المليار مسلم إلا نظرة استعلاء واستنزاف.
والثانية: إن الرجل الذي ملأ الدنيا نورا بعدما ملئت ظلاما، والذي ملأها عدلا بعدما ملئت جورا، والذي ملأها حقا بعدما ملئت باطلا، لا يزال ملء السمع والبصر، لم يمت، ولم يغب عن الذاكرة طرفة عين، بل وفي قلوب أعدائه قبل أحبائه.
إلا أن حماقة هذا الاختبار وإسفافه، ورغم ما يمثله من اعتداء صارخ على ركن عظيم من أركان بنائنا العقائدي نحن معاشر المسلمين، وعلى رمز من رموزنا المقدسة التي لا يسمح لكائن من كان المساس بها، فإنه يستوجب منا الوقوف طويلا عند بعض المحطات:
المحطة الأولى:
لقد انحسرت موجة الحدث العاتية التي ضربت المسلمين في سويداء قلوبهم عن عمق الفجوة أو الفراغ الناشئ عن غياب المرجعية الإسلامية، فقد برهنت المرجعيات المحكومة بأصفاد الأنظمة الحاكمة وقيودها أنها عاجزة عن أن تحرك ساكنا إلا وفق التعليمات التي تصدر إليها، كما سجل غياب علماء الأمة عن الساحة في أوج الحدث ظاهرة لافتة للنظر.
مما يؤكد مدى الحاجة إلى مرجعية لديها من الطاقات العلمية والموارد المادية والاستقلالية ما يمكنها من النظر في الأحداث والنوازل والمستجدات في صورتها الكلية وليس في جزئياتها.
ومواجهتها واستثمارها أو إبداء الرأي فيها بحكمة وحنكة وبأساليب تناسب الحدث أو النازلة، بدلا من ترك هذه المسائل لعوام الناس وغوغائهم يتصرفون تجاهها بتوتر وتشنج، أو يستخدمون أساليب بعيدة كل البعد عن حدود آداب الإسلام وأخلاقه.
المحطة الثانية: لم يمنع رد الفعل العنيف لجموع المسلمين كأفراد تجاه الحدث من أن تنكشف سوءتهم من كل ناحية كأمة.
فإعلاميا فشل الإعلام كالعادة حتى في تغطيته بطريقة مهنية، فكان كما يقول المثل: «كالأطرش في الزفة»، أما الغرب الذي كان في أمس الحاجة إلى من يواجه جاهليته بمنهجية وعقلانية، فلم يجد إلا الإعلام الصهيوني الذي كان يتلاعب به كورقة في مهب الريح.
واستراتيجيا لم يكن لنا عمق لا قصير ولا طويل المدى يمكننا أن نقيس حجم الخسارة أو استثمار الحدث بناء عليه، ولهذا تحركت «بعض» حكومات الدول الإسلامية وبعثاتها الدبلوماسية في بطء شديد وبلا إدراك أو فاعلية.
وبالطبع لم يحقق الحضور الباهت في أوساط المنظمات العالمية شيئا يذكر، أما تنسيق المواقف فحدث ولا حرج، وأما ورقة الاتفاقيات والتحالفات التجارية والاقتصادية والسياسية فلم تكف لإخفاء عورة ميراث الشقاق العقائدي والإيديولوجي بين الفريقين.
ودعويا فحركات الدعوة بما فيها الجاليات الإسلامية في أوروبا التي كان همها الأول والأخير حث المسلمين القدامى منهم والجدد على تقصير الثياب وإعفاء اللحى، دون أن تعطي بالا لاستكمال البناء الأخلاقي عند جماهير المسلمين عملا بتعاليم الرسول الذي يقول:
«إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، فقد تبين لكل ذي عينين أن الأخلاق عشية الحدث كانت في واد والمسلمين في واد آخر، فكان سوادهم الأعظم يفتقد في دينه إلى العلم والفهم والبصيرة.
وإيديولوجيا فها نحن نقف وجها لوجه أمام الغرب كخصمين متناحرين، بينما كنا قبل وقت قليل نتغنى بمفاتن الليبرالية الغربية على أنها ذات مضامين وقيم وثقافات متطورة وغير منحازة وتحترم الغير وتمثل نموذجا يحتذى للإنسانية، فإذا بها تقطر عدوانية وعنصرية واستعلاء كأنما استخلصت مبادئها من سم الأفعى الصهيونية والإمبريالية.
المحطة الثالثة: لئن كان الحب النبوي عند جموع المسلمين عارما كالسيل، مكتسحا كالإعصار، إلا أن التصريح به لم يكن منضبطا بالضوابط والآداب الشرعية بقدر ما كان مدفوعا بالعاطفة، فجاءت ردود الأفعال من حرق الأعلام وإطلاق الأعيرة النارية على الدمى واقتحام مقار البعثات الدبلوماسية وحرقها، على خلاف تلك الضوابط والآداب وتعاليم الإسلام، فالله يقول في كتابه العزيز:
«ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدْواً بغير علم..» (الأنعام:108) ولهذا لم تؤت من الثمار ما تطيب به النفس، بل كانت مسيئة للإسلام والمسلمين وللرسول صلى الله عليه وسلم.
ولو راجع المسلمون أنفسهم وعرضوا أحوالهم وأفعالهم وأفكارهم قبل الحدث وأثناءه وبعده على المنهج الذي أمرهم الله ونبيه به، لوجدوا أنفسهم يسلكون آلاف السبل والطرق، كلها لا تلتقي بل ربما لا تتوازى مع طريق الرسول ومنهجه.
ومن هنا فإنه من المهم أن يفهم المسلمون أن هذا الإعراض هو أشد إيذاء لأي منهم، وأنه خطيئة لا تغفرها ردود الأفعال التي بدرت من بعضهم مهما كانت صحيحة، ومهما كانت النوايا صادقة أو مخلصة.
يبقى بعد ذلك سؤال مهم لم نطرحه بعد: هل صنعنا كل ما صنعنا انتصارا لله ؟ أم لأنفسنا ؟ أما إن كان لأنفسنا فقد أوفينا الجهد وحصلنا على بعض الاعتذارات التي لا تغني من الحق شيئا، ولا تشفي من الغليل إلا ما يبل الرمق، وأما إن كان انتصارا لله، ومن هنا فقد كان أجدر بالمسلمين لو أنهم عملوا على استخدام الضغوط السياسية والاقتصادية لتحقيق مكاسب حقيقية مثل:
ـ المطالبة باحترام الجاليات والأقليات الإسلامية في الغرب، ومنحها المزيد من الحريات والحقوق في ممارسة حياتها الدينية، تحت غطاء تشريعي وليس بمجرد وعود دبلوماسية، فنحن أحق بهذا الغطاء من خرافة الهولوكوست.
ـ الحصول على مزيد من الحقوق الأدبية والإعلامية، واستغلالها لتغيير صورة الإسلام والمسلمين، تلك الصورة التي بذل الشيطان الأميركي كل ما في وسعه لتشويهها في سبيل تحقيق مآربه، وذلك بتوظيف المرتزقة تارة والمغفلين تارة أخرى من المنتمين إلى المسلمين.
ـ مقايضة الخطيئة الدنماركية، إثباتا لحسن النوايا، بالتقدم التقني والصناعي والزراعي الأوروبي، وبناء تحالفات على أسس متوازنة الهدف منها الارتقاء بمستوى الشعوب الإسلامية في شتى المجالات.
ـ العودة إلى الذات لتطويرها من خلال تطوير الأساليب والأدوات المستخدمة في تطبيق القيم والمبادئ الإسلامية، أو في طرح القضايا الكبرى التي تهم البشرية، أو في وسائل إيصال هذا النور إلى القلوب التي أنهكها الظلام.
كاتب إماراتي