قدم الفلسطينيون برهانا اخر يوم امس على انهم يستحقون دولة مستقلة ذات سيادة كنتيجة طبيعية لنضالهم الطويل الذي اعطوا خلاله اقصى ما تعطيه الشعوب من اجل حريتها وكرامتها ودفعوا ثمن ذلك باهظا من دماء ثلاثة اجيال على الاقل وما يزالون الى ان تتحقق طموحاتهم المشروعة كاملة غير منقوصة.

لقد اظهر التئام المجلس التشريعي الفلسطيني بالحالة الفريدة من نوعها ارادة التحدي وعزيمة الصمود في وجه الاجراءات المشينة التي اتخذتها الحكومة الاسرائيلية لكي تعطل الاستحقاقات الدستورية عن طريق منع ممثلي الضفة الغربية الانضمام الى زملائهم ممثلي قطاع غزة فتم الربط بواسطة دائرة تلفزيونية وتم حلف اليمين القانوني، وخطب الرئيس محمود عباس خطابا قويا استند فيه الى شرعيته الشخصية كرئيس منتخب من الشعب ذاته الذي اعطى الثقة لحركة حماس كي تمثله في المرحلة المقبلة والصعبة من تاريخ نضاله المرير.

لا تريد اسرائيل ومعها الادارة الاميركية والاتحاد الاوروبي رؤية ذلك الاداء السياسي الرفيع الذي يؤكد رغبة وارادة الشعب الفلسطيني في اقامة دولة حضارية قابلة للحياة جنبا الى جنب مع اسرائيل التي حرص السيد عباس على نعتها "بالجارة".

وبدل ان تحظى حركة حماس بالتشجيع على تحولها المنطقي الى العمل السياسي كليا فإن اسرائيل تدفع باتجاه المزيد من اليأس والغضب والعنف لتحافظ بذلك على الدور الوحيد الذي لا تعرف بديلا عنه اي دور قوة الاحتلال الغاشمة والظالمة المتلذذة بالقتل والتعذيب والحصار والتجويع والترويع، انها حريصة على عدم فقدن هذا الدور البغيض، ويبدو انها لا تستطيع ان تعيش بدونه ابدا.

اليوم تمنح اسرائيل السلطة الوطنية الفلسطينية صفة العدو بسبب تكليف حركة حماس بتشكيل الحكومة بعد فوزها باغلبية مقاعد المجلس التشريعي، وقد ارادت ان تبطل على الفور مفعول خطاب الرئيس عباس الذي دعا فيه المجلس وحركة حماس بشكل خاص الى الالتزام بالاتفاقيات الموقع عليها مع اسرائيل - اوسلو وما بعدها - ومواصلة المقاومة الشعبية السلمية اي رفض مفهوم المقاومة المسلحة التي قد تضر بالمصالح العليا للشعب الفلسطيني.

ومع انها تعرف بأن الرئيس الفلسطيني هو الذي يدير عملية التفاوض والعلاقات الخارجية عموما وان منظمة التحرير هي السلطة الاعلى وهي صاحبة الصلاحية والمشروعية في العملية السلمية فإن اسرائيل تغض النظر عن حقيقة ان الحكومة الفلسطينية ليست معنية بالمفاوضات كأولوية اولى وانما هي معنية بتسيير الشؤون العامة للمواطنين الفلسطينيين وادارة وزارات ومؤسسات السلطة، حتى ان سلطات القوى الامنية هي في يد الرئيس كما هو واضح على ارض الواقع،

ولذلك فإن الحكومة التي ستشكلها حركة حماس تستطيع ان تعزل نفسها عن المفاوضات لو ارادت وتترك الامر كله إلى الرئيس عباس الذي انتخب على اساس مشروعه السياسي الذي عبر عنه مجددا في افتتاح اعمال الدورة الجديدة للمجلس التشريعي.

نود في هذه اللحظات ان تبدي اعجابنا بالانجاز السياسي الذي حققه الفلسطينيون، وبطريقتهم في ادارة شؤونه رغم انهم يعيشون اسوأ احتلال في التاريخ البشري، وبقدرتهم الجبارة على احتمال عقلية "عدوهم" البائدة، ونقول لهم ان »الدائرة التلفزيونية« التي جمعت مجلسكم التشريعي في رؤية مشتركة امس قد اخترقت الفضاء لكي يرى كل ذي بصر وبصيرة عدالة قضيتكم وعمق وعيكم وجمال صبركم، فسيروا الى الامام ولا تقيموا وزنا لأولئك الذين لا يعرفون المعنى الحقيقي للسلام لانهم يعيشون وسط اوهام القوة الغاشمة وسراب الامر الواقع، انهم حين يدركون حاجتهم للسلام سيجرون وراءكم.