تحت اسم «حرية التعبير الإعلامي» أراد الغرب اختبار مدى رد الفعل الشعبي في العالم الإسلامي، في حالة شن حرب أيديولوجية غربية شاملة ضد الإسلام كعقيدة (وليس ضد المسلمين كشعوب)، في زمن لاحق. ولعل أباطرة الإعلام الغربي ندموا الآن على الاختبار. فرد الفعل ليس كاسحاً وعنيفاً فحسب، بل أصبح من الصعب صد موجاته العارمة المتدافعة.

الإساءة الإعلامية إلى شخص رسول الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم، كانت في حد ذاتها سبباً لإشعال شرارة استفزازية في كل أنحاء العالم الإسلامي، لكن اندلاع المظاهرات الإسلامية الضخمة المتجددة يومياً على صعيد عالمي، وما يترافق معها من أعمال عنف، يعكس أن لدى الشعوب الإسلامية قائمة طويلة من التظلم، ليس ضد الغرب فحسب، بل أيضاً بعض الأنظمة الحاكمة وعلاقاتها التحالفية مع الدول الغربية.

لمدى عقود متصلة ظلت الشعوب في البلدان الإسلامية تعيش جيلاً تلو جيل حالة مزمنة من الفقر والمرض والجهل والعوز والبطالة يترافق معها قهر سياسي منظم، وفي عصر ثورة الاتصالات العالمية والبث التلفزيوني المباشر عبر الأقمار الصناعية على مدار الساعة، لم يعد خافياً حتى على تلاميذ المدارس الابتدائية إن افقار العالم الإسلامي.

وتكريس حالة الفقر يعكس نهباً منظماً للموارد الوطنية من خلال عملية تواطؤية تجمع كبرى الشركات الغربية وحكوماتها مع الأنظمة الحاكمة المحلية.

والنتيجة هي أن مؤسسات العمل التنموي في البلدان الإسلامية تقلصت وتلاشت لصالح مؤسسة أمنية داخلية تشارك الأجهزة الأمنية الغربية في ما يطلق عليه «الحرب ضد الإرهاب»، الموجهة ضد العالم الإسلامي.

لهذا رأينا المظاهرات العارمة المتجددة يومياً تنتظم العالم الإسلامي بأسره من المغرب إلى اندونيسيا، تعبيراً عن تراكمات من الغضب. بل امتد غليان الشارع إلى العواصم الأوروبية قبل أن ينتقل إلى أميركا اللاتينية. ورغم ان الإساءة إلى نبي الإسلام ابتدرتها صحيفة دنماركية، إلا أن العنف الشعبي في البلدان الإسلامية طال رموزاً أميركية كمطاعم الأغذية السريعة ذات الأسماء العالمية المشهورة.

في مناسبة الإساءة إلى النبي وجدت الشعوب الإسلامية فرصة لثورة غضب من أجل الكرامة، فبقدر ما كان فوران الشارع تعبيراً عن استنكار تحقير العقيدة الإسلامية، فإنه كان أيضاً تنديداً ضمنياً ضد «غوانتانامو» وبدعة السجون السرية الأميركية في عواصم أوروبا الشرقية والحرب الاحتلالية ضد كل من فلسطين والعراق.

عن طريق نشر رسوم كاريكاتيورية تنطوي على استهزاء بالرمز الأعظم للرسالة الإسلامية، أرادت المؤسسة الإعلامية الغربية اختبار المشاعر الشعبية في العالم الإسلامي. ويبدو أن الهدف هو الإعداد لنقلة إعلامية نوعية لاستهداف الإسلام كعقيدة دينية من قبيل تصعيد الحرب الإعلامية الثقافية في إطار «الحرب على الإرهاب».

لكن يبدو أن تقديرات رد الفعل الشعبي في العالم الإسلامي لم تكن دقيقة، فالغضب المتعاظم في البلدان الإسلامية أصبح الآن يتهدد بعض الأنظمة الحاكمة.