كرامة أكثر من 20 مليون روسي مسلم على المحك..
لم يعد الرئيس الروسي سوى الأخذ بهذا الرقم، ولو عن ظهر قلب. إن بوتين حسم أمره منذ البداية، الطريقة التي أخذ بها ليبلغ اعتذاره لملايين المسلمين في روسيا والعالم، حملت مزيجاً مركباً من العقل البارد الذي ميز الحقبة السوفييتية على مدى 70 عاماً، ومما تنطوي عليه تجربة الدب الروسي في حسم بؤر الخطر في اللحظات الحرجة.
ومع أنه نجح في حدود حفظ التوجه العام نحو إعادة الاعتبار لمسلمي روسيا، فقد واجه بوتين قوى ضغط لا حصر لها في الداخل والخارج . وكان عليه أن يسلك بصعوبة نادرة طريقه الخاص في مواجهة فوضى مواقع النفوذ المالي والإعلامي اليهودي، لتشكيل تحالفات دولية وإقليمية في مواجهة الجموح الأميركي.
عندما استهل بوتين اعتذاره لمسلمي روسيا الأصليين، «غير المهاجرين!» ومسلمي العالم عن الرسوم الكاريكاتيرية في شخص الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. ودعوته لقادة الحركة الوطنية الفلسطينية «حماس» هو شعوره بإبقاء خط التسوية السلمية مفتوحا. إلا أن بوتين يدرك أن للقضية الفلسطينية بعدا جيواستراتيجيا، يستحيل النظر إليها ببساطة.
فالأوساط الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية كانت ولا تزال ترى في الشرق الأوسط وسواها مناطق لمصالحها الحيوية.
لقد جاء توجه موسكو نحو دعوة قادة حماس، لحماسها وأمانتها مع الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، وتلبية للمصالح الاستراتيجية الروسية..
فالنسبة لروسيا تشكل حماس،الجسر الأمثل لعلاقات متينة بين مسلمي روسيا ودول الشرق الأوسط،. والأخذ بالاعتبار أن علاقات صداقة وتعاون وطيدة مع حركة المقاومة الإسلامية لها أيضاً أهمية كبرى في الاستراتيجية الروسية الحديثة.
لأن أساس ما يجري هو صراع بين تيار فرض العولمة على العالم، مع ما يترتب على ذلك من تثبيت لمنطق القطب الأوحد، من جانب، ورفض لهذه السياسات، مع الدعوة لإقامة نظام دولي متعدد الأقطاب يكون أكثر عدلاً من جانب آخر.
إن المستجدات الإقليمية والدولية في السنوات الأخيرة تدفع موسكو إلى توطيد العلاقات مع الفلسطينيين. حيث برز التنافس الروسي الأميركي في منطقتي القوقاز وآسيا الوسطى في السنوات الأخيرة.
وتمكنت أميركا من فرض سيطرتها على أجزاء، بذريعة القضاء على الإرهاب، ومن ثم بنشر ما تعتبره ديموقراطية. وقد أعلن بوتين أن ما يجري هناك بدفع من أميركا، يشكل تهديداً لأمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية.
ما زالت روسيا تملك قوة نووية منافسة للقوة الأميركية، والمصدر الأكبر للطاقة في العالم، ولحماية مصالحها الاستراتيجية... إن موقفاً سياسياً لدعم حماس، مثل الموقف الروسي أثناء الحرب على العراق!! قد لا يكون كافياً. فدعوة قادة حماس ودعمهم يتطلب موقفاً أكثر حزماً.
دعوة بوتين المقبلة لقادة حركة المقاومة الفلسطينية «حماس». تبدو وكأنها عودة حميمة إلى القيصرية والستالينية في آن واحد... لكن ما زال ضبابا كثيفا، لا يزال يغطي سماء الكريملين، والبرد القارص في موسكو لا يخيف.. قادة حماس. لأن الشتاء الروسي بكل ما فيه من صقيع وحلكة سوداء وما يحمل من وحول ليس إلا مرحلة انتقالية إلى الربيع الأخضر.