دعا رئيس مجلس النواب اللبناني، أمس، إلى فتح الحوار بين القوى السياسية؛ حول طاولة مستديرة، تحت قبة البرلمان. وحدد يوم الثاني من الشهر المقبل ليكون موعد الافتتاح؛ على ألا تستغرق النقاشات والمداولات أكثر من سبعة إلى عشرة أيام؛ يصار خلالها إلى بحث كل الأمور الخلافية ـ ثلاثة ومشتقاتها ـ؛ تحت مظلة اتفاق الطائف، كمرجعية للحوار.
في ذات الوقت، تقريباً، انطلق تحرك يتعلق بمصير الرئيس اللبناني وحدد يوم 14 الشهر المقبل كموعد أقصى لحسم الأمر.الجديد في هاتين المبادرتين أو التحركين أنهما متداخلان وتحدد لهما سقف زمني قصير.
وبذلك يكون البلد قد وضع نفسه على الطريق السريع المؤدي إلى محطات فاصلة وقريبة، محطات تتزاحم فيها احتمالات الحلحلة مع احتمالات التعقيد؛ وإمكانية الانفراج مع خطر التردي. وربما الانزلاق إلى نقطة اللاعودة. السباق على أشده بين الاثنين. والوقت ليس صديقاً لأي منهما. فالحسم ليس بعيداً. فقط على مسافة أسبوعين أو ثلاثة.
في ضوء معطيات اللحظة الراهنة وخطابها ترجح كفة الانتكاس على كفة التحسن. لكن التغيير في المعادلة وارد، بصرف النظر عن نسبته. ما هو مؤكد الآن شيئان:
1- إن الوضع اللبناني يقف على عتبة انعطافة نوعية محتومة.
2- إن الحوار بقدر ما هو مطلب مستعجل بقدر ما ينطوي الفشل فيه على خطر الدخول في دوامة يصعب الخروج منها، قبل أن تتكدس خسائر فادحة، لا يقوى لبنان على احتمالها.
كافة الأطراف تتحدث منذ فترة عن أهمية وضرورة الحوار. وكلها أبدت استعدادها لوضع جميع أوراقها على الطاولة والتداول حولها بصراحة وشفافية وبنية بلوغ قواسم مشتركة يمكن البناء عليها؛ للخروج من حالة التأزيم؛ التي اقتربت من حدودها القصوى. يوم الثاني من الشهر المقبل يكون الجميع أمام الامتحان. وربما كان في ضغط الوقت وفي الظروف الحالكة التي يعيشها لبنان اليوم، أسباب حافزة لاجتياز الامتحان بنجاح.
سيما وأن ليس هناك من لا يدرك بأن البديل كارثي. في أحسن أحواله إطالة أمد المعاناة والانسداد؛ بكل ما ينطوي عليه من مكابدة وخسائر؛ فضلاً عن زيادة المراهنات على الخارج. كذلك ليس هناك في لبنان من لا يدرك بأن المتاح من الحوار لا يخرج عن تسوية؛ وأن هذه الأخيرة مرهون تحقيقها باستعداد الفرقاء إلى تبادل التنازلات وملاقاة الآخر في منتصف الطريق.
وطبعاً لن يتيسر ذلك إلا إذا صفت النوايا. «فإذا توفرت النية توفرت المخارج».
المفتاح في كلمتي التفاهم والتوافق. ولا يستعصي بلوغ ذلك إذا ما حكمت المصلحة الوطنية، أجواء وأطراف الحوار. وحتى لا يتحول هذا الأخير إلى حوار طرشان ورفع عتب، مطلوب فصل التحركين المتزامنين والبت بهما من خلال مفتاح التوافق. فالبلد بين احتمال التقدم إلى الأمام أو الانتكاس والرجوع إلى الوراء.. إلى الماضي الأسود الذي يخيم شبحه اليوم على اللبنانيين.