لا يمكن استبعاد الأصابع الأميركية عن كل ما جرى ويجري من كوارث وحروب ودمار وعدم استقرار، التي تضرب منطقتنا من كل حدب وصوب.
وإذا كانت معاناة الشعب العراقي واضحة للعيان، وأسبابها معروفة ولا يمكن لإدارة السيد بوش إنكارها، فإن معاناة الشعب العربي من المحيط إلى الخليج تبدو أقل وضوحاً، وتختلف من بقعة إلى أخرى، إلاّ أن الأصابع الأميركية و«اللمسات» الأميركية لا يمكن الزعم أنها غير موجودة أو إخفاء تأثيراتها القوية.
هذه الأيام، وفي وقت تجد فيه الإدارة الأميركية بقيادة المحافظين الجدد نفسها محشورة في الزاوية الضيقة على خلفية الانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان في معتقلي غوانتانامو وأبو غريب، وفي الوقت الذي وقفت الأمم المتحدة لتعلن موقفاً إزاء هذا الأمر الخطير وتكشف الوجه البشع للسياسة الأميركية، نجد أن الإدارة الأميركية تتعرض للضغط الذي اعتادت على ممارسته ضد الدول والشعوب.
فهي تحت ضغط الرأي العام العالمي وضغط الأمم المتحدة، وضغط منظمات حقوق الإنسان ومن ثمّ تحت الضغط الأهم الذي يتمثل بالشارع الأميركي الذي لم يحصل على الأمن الموعود، ولا على الازدهار الذي هو المهمة الأولى لأي إدارة أميركية، فدافعو الضرائب الأميركيون باتوا يدركون أن قيادتهم السياسية تقود البلاد نحو شفير الهاوية سياسياً وأمنياً واقتصادياً.
ولأن المحافظين الجدد باتوا تحت الضغط فقد وجدوا أنفسهم من جديد أمام مساءلة الشارع الأميركي والكونغرس الأميركي ليس للمحاسبة.. بل للبحث عن مخارج من هذا الوضع الذي وصلت إليه السياسة الأميركية وجعلت كراهية الشعوب تزداد للولايات المتحدة.
وأيضاً، لأن المحافظين الجدد وإدارة بوش تحت الضغط، فإن البحث يدور بين صناع السياسة الأميركية عن انتصارات خارجية وهميّة أو آنية من شأنها لفت أنظار الأميركيين أولاً، والعالم ثانياً عن الأخطاء القاتلة التي وقعت فيها السياسات الأميركية.
ويبدو أن إدارة بوش التي جاءت بقرار محكمة وعلى أساس فوارق عددية محدودة، واتخذت جملة من القرارات الخاطئة، مستمرة بمعالجة الخطأ بخطأ أفدح.
من هنا نتفهم هذه الحملة الشديدة على إيران وبرنامجها النووي السلمي، وتكليف بعض الحلفاء بلعب أدوارهم في هذا الملف.
ومن هنا نتفهم حقيقة ما يجري في لبنان من تصعيد خطير يضع البلد أمام مخاطر حرب أهلية لا تخدم إلاّ «إسرائيل» والإدارة الأميركية.
ومن هنا نتفهم كذلك كل ما يجري في منطقتنا من فلسطين المنتشية بديمقراطيتها المرفوضة أميركياً وإسرائيلياً إلى سورية التي يريدون تحييدها وكسر شوكتها وضرب ممانعتها للمشروع الأميركي، إلى كل بقعة من الأرض العربية لنشر الفوضى «الخلاّقة» كما يسمونها، والتي يعتمدونها استراتيجية يصطادون من خلالها الدول ويقومون بإعادة تركيبها وفق أهوائهم وأطماعهم ومشروعاتهم التسلطية.
فاحذروا الأصابع الأميركية في العراق وفلسطين واحذورها في لبنان.. واحذروا أكثر الأدوات المحلية في المنطقة التي تحركها الأصابع الأميركية و... الإسرائيلية فهي الأخطر لأنها تحمل خناجر مسمومة ومشروعات وصائية وأهدافاً معادية.