لبنان الذي احتار بنفسه، وعجز عن تفسير حالته البصارون والخبراء، وعلماء السياسة، لا يدرون هل هو شيعي أم سني، مسيحي أم درزي، عربي أم فارسي، شرق أوسطي، أم بحر أبيض متوسط؟..

مشكلة لبنان أن الكل على درجة عالية من الوعي، لكنه مسيّر باتجاه مناقض للوطن والتراب، وهنا ضاعت هويته، حيناً بإعلان ولاءات لفرنسا وأميركا، وأخرى لمن له القدرة على مد نفوذه بوسائط لبنانية، ولذلك حين اشتعلت حروبه القديمة والحديثة كانت تجد المناخ المفجر من الداخل..

وأزمة لبنان ليست برئيس أو وزير أو زعيم طائفة يأتي ويذهب، وإنما بتكوينه الذي لم يتفق أحد على شكل بنائه، أي أن من يرى كيف يتحالف الخصوم لخلق عداوات داخلية وولاءات متحركة، يعجز أن يفهم الطريق المؤدية لوحدته..

الآن بدأت نذر حرب تتقدمها الكلمات النارية والتصريحات التي تدين وتخوّن، وتدعي الحقيقة التي يقابلها باطل يتبعه آخرون، ولعل المنابر ومحطات الفضاء والصحافة التي تهيئ لمرحلة لبنانية عسيرة، بدأت ظواهرها تتحرك نحو التأزيم، حتى الذين يتوحدون من أجل تغيير الرئاسة، وهيكل الدولة بأجهزتها ونظامها، لا يطرحون البديل المتفق عليه، وحتى من ترشحه مختلف القوائم لا يستطيع أن يجازف بأن يضع نفسه تحت مقصلة من يريد الثارات من زعيم داخلي أو حزب، أو بلد عربي وأجنبي، وبنية الخلاف ليست على أفكار أو معايير مختلة الوزن والهدف، بل بالكيفية التي توصل صاحب أي نفوذ إلى مركز أو وظيفة فيها الوجاهة، والمكاسب والعبور للآخرين باسم هذه السلطة، بما فيها التكسب المادي والسياسي..

اللبناني خارج أرضه، نموذج العربي الناجح.. أي أن الذين يعيشون في المهاجر استطاعوا رسم صورة لبنان الحضاري والمتعايش دون تعقيدات طائفية أو فئوية، لكنه في الداخل نموذج مضاد، وحتى في تناقضات الأحداث اللبنانية ما يحير، وكأنه (طائر الفينيق) فقد خرج من رماد الحرب لبناناً جديداً في مطاعمه، وجباله، وخدماته اللامحدودة، ولكنه يمكن أن يزيل ما بناه بعد الحرب بخطأ صغير يبدأ من شرارة إلى حريق.

ولعل فكر التأزيم الراهن وعجز زعامات الطوائف، والأحزاب الجلوس إلى طاولة واحدة، جزء من حالة لبنانية لم يستطع أحد معالجتها بالأدوية أو العمليات الجراحية وحتى البتر.. فهل نحن أمام عاصفة قادمة، وأن نذرها بدأت من الجبل والسهل وأنه لابد من إعادة جغرافيا لبنان للتقسيم؟!..