مازلت أذكر صرخة الروائي المصري إبراهيم عبد المجيد على صفحات جريدة القاهرة في أعدادها الأولى: (إلى متى أظل حاملا التاريخ الفرعوني فوق ظهري).

وكان عبد المجيد يقصد أن ننفض غبار التاريخ العتيق عن كهولنا وأناشيدنا كي نتفرغ لانجاز تاريخ حديث، أو حتى التغني بتاريخ أكثر عصرية، وهو كثير.

قدر سعادتي لفوز مصر بكأس الأمم الإفريقية الأخيرة، فقد امتعضت كثيرا من المانشيتات التي تمتح من المنظومة الفرعونية، والتي امتلأت بها الجرائد المصرية وغير المصرية.. حتى ظننت أن الاسم الأصلي لأحمد حسن، أفضل لاعب في البطولة، أحمد «رع»، وأن حارس المرمى عصام الحضري أصله حارس لمعبد احد الفراعين.

ولا ادري سبب اللجوء إلى حشرة الجعران والمومياوات وأبو الهول في افتتاح البطولة، التي وصفها احد الصحافيين عن حق بالافتتاح الجنائزي.

أذكر أيضا أن ملكة جمال مصر في إحدى السنوات قالت حين سئلت عن مبعث فخرها ببلادها أمام العالم، فأجابت: «الأهرامات ونهر النيل» وكأن التاريخ المصري توقف عند «قبل الميلاد» وما عداه لاحقا من رموز وانجازات لا يستحق النظر والمفاخرة، فضلاً عن أنها لا تعرف أن نهر النيل هو أحد الممرات المائية التي تبدأ من هضبة الحبشة.

لم تنل مشكلة السكتة التاريخية التاريخ الفرعوني، بل امتدت إلى حالة شوفينية طالت النخبة قبل البسطاء حتى أنني تصادمت يوما ما مع الأستاذ محمود مراد «نائب رئيس تحرير الأهرام وقتئذ» عند استضافته لدى اتحاد كتاب وأدباء الإمارات حين قال:

إن احمد زويل حصل على جائزة نوبل لأنه مصري فقلت له: زويل نفسه أكد أن انجازه يعود إلى روح الفريق التي سادت خلال أبحاثه في أميركا... ومع ذلك أخرجني الرجل من زمرة المخلصين والمنتمين لمصر.

خطورة ثقافة التحنيط التي يدمنها كثيرون، وخطاب «المصرنة» المبالغ فيه تكمن في أنها تشد الوعي واللاوعي إلى عالم وهمي يفتقد الغيرة والمنافسة والاعتراف بانجازات الآخرين غير المصريين، رغم وجودهم الساطع أمامنا وخلفنا وحولنا.

وهي حالة يمكن أن تقود إلى حالة أمثولة كهف أفلاطون الذي يحكي عن أناس يجلسون على باب كهف وظهورهم للخلاء، فتنعكس صور العابرين خلفهم على جدران الكهف وكأنهم أشباح، فلا يدري الجالسون الملامح الحقيقية لغيرهم..

وهذا ما حدث مع وزير إعلامي سابق حين سألوه عن قدرة الفضائية المصرية على المنافسة في عصر السماوات المفتوحة، فأجاب: نحن خارج المنافسة... فباغتته الإجابة الحقة بعد ذلك عبر قنوات عربية أخرى تحولت برامجها إلى مرجعية سياسية وثقافية ومعرفية للمشاهدين المصريين.

كان من الممكن والأكثر واقعية أن يستعين القائمون على افتتاح البطولة الإفريقية بأشياء كثيرة بعيدا عن متحف التاريخ .. يكفي ما لدى مصر الحديثة من رموز مشرفة من محمد علي إلى جمال عبد الناصر، فضلاً عن العلماء والمثقفين.

وغيرهم من الانجازات التي تستحق تقديمها لأبناء مصر أنفسهم قبل العالم. إن كنوز مصر المعاصرة لم تزل دينا في رقبة زمارين الحجر والتوابيت الذين لم يستطيعوا أن يخفوا ذقونهم وهم يعزفون سيمفونية بيع الأوهام.