الزلزال السياسي الذي أحدثه الفوز الحاسم لحركة «حماس» في الانتخابات الديمقراطية الفلسطينية، والإرباك الذي أحدثه هذا الفوز في الدوائر «الديمقراطية» الغربية دعا دعاة الديمقراطية إلى الانقلاب المكشوف على نتائج هذه الديمقراطية، ولم يخجلوا من المسارعة إلى ممارسة الابتزاز الاقتصادي علنا بعد أن وجدوا أنفسهم في موقف لا يحسدون عليه!
والمثير في الأمر، أن الابتزاز الاقتصادي الأميركي والإسرائيلي وممن سار في ركابهما صدر من نفس العواصم التي أقرت بسلامة العملية الديمقراطية الفلسطينية في انتخابات لم يملك أحد في العالم أن يشكك في نزاهتها في تناقض.
واضح بين ما يعلنون من مبادئ وما يهدفون من مصالح للمساومة والضغط على القرار السياسي لحماس عقابا للشعب الفلسطيني على ممارسته للديمقراطية، مما يبعث على عدم الثقة والاحترام لشعارات وسياسات هذه الدوائر التي تدعونا ليل نهار إلى ممارسة الديمقراطية!!
في الوقت الذي بدت فيه الصورة الفلسطينية باعثة على الاحترام والثقة سواء من جانب حركة « فتح» التي بدأت بالكفاح المسلح منذ الفاتح من يناير عام 1965 وانتهت بخيار الكفاح السياسي في يناير من عام 2006، والتي أوفت بعهدها بتنظيم انتخابات ديمقراطية شفافة ونزيهة.
واحترمت اختيار الشعب الفلسطيني، أو من جانب حركة «حماس» التي اختارها الشعب الفلسطيني لأنها تؤمن بالكفاح المسلح نتيجة لعدم توصل الكفاح السياسي إلى تحقيق طموح الشعب الفلسطيني في إنهاء الاحتلال الصهيوني وإعادة اللاجئين تطبيقا « للشرعية الدولية» بسبب الرفض الإسرائيلي والمساندة الأميركية للتسليم باستحقاقات هذه الشرعية!
وبينما تبدو الصورة في جانب منها انتصارا سياسيا لحماس، فلا يمكننا أن نتجاهل الجانب الآخر من الصورة من جراء تأثير هذا الابتزاز الاقتصادي المتمثل في إعلان «دعاة الديمقراطية العالمية» عن العمل على عزل حماس وإفشالها سياسيا عن طريق وقف الدعم المالي للسلطة الوطنية الفلسطينية في حالة تشكيل حماس للحكومة الفلسطينية ما لم تقبل بالشروط السياسية المطلوبة..
إن طرح هذه الشروط المتمثلة في «الاعتراف بإسرائيل والتخلي عن الكفاح المسلح والقبول بما سبق أن وافقت عليه حكومة فتح من اتفاقات وأبرزها الاعتراف باتفاق «أوسلو» والالتزام بخارطة الطريق» من جانب هذه الدوائر«الديمقراطية» يهدف إلى وضع «حماس» أمام خيارات صعبة وفي مأزق لاشك فيه، فإما القبول، وهذا يعني خداع الشعب الفلسطيني، وإما الرفض، وهذا يعني تجويع الشعب الفلسطيني.
لكن المأزق الحقيقي لن يكون في هذه الحالة لحماس وحدها والتي هي الآن المعبر الشرعي عن إرادة الشعب الفلسطيني، ولكنه أيضا مأزق مزدوج لمصداقية كل من الديمقراطية العالمية والشرعية الدولية معا..
ديمقراطيا.. فإن محاولة إجبار حماس بالابتزاز الاقتصادي من جانب دول ديمقراطية على القبول بشروط تخالف برنامجها السياسي المقاوم .
والذي انتخبها الشعب على أساسه يمثل دفعا لها على الانقلاب على الديمقراطية وتزوير لإرادة الشعب الفلسطيني، وهو أمر يفضح حقيقة الدعاوى الديمقراطية لهذه الدول ويضعها أمام شعوبها وشعوبنا عارية عن أي مصداقية..
وشرعيا.. فإن إقدام مجلس الأمن الدولي و« الرباعية الدولية «على إجبار «حماس» بوقف المقاومة المسلحة دون إجبار إسرائيل على إنهاء احتلالها للأراضي الفلسطينية هو أمر مناقض لمواثيق وقرارات الأمم المتحدة التي لا تجيز احتلال أراضى الشعوب بالقوة وأبرزها قرار الجمعية العامة رقم2787 لسنة 71 والذي يؤكد «شرعية نضال الشعوب للتحرر من الاحتلال بكل الوسائل المتوافرة والمنسجمة مع الميثاق».
وإذا كانت دروس التاريخ تعلمنا أنه لا الحصار الاقتصادي ولا العزل السياسي ولا القوة العسكرية مهما بلغت جبروتها قادرة على إجبار الشعوب على وقف كفاحها السياسي والعسكري لاستعادة أرضها واسترجاع حقوقها وتحقيق أهدافها المشروعة في الحق والعدل والحرية.
فإن الشعب الفلسطيني بكل فصائله الوطنية الذي خاض الكفاح العسكري والسياسي، وقدم للعالم نفسه في صورته الحضارية من خلال تجربته الديمقراطية المشرفة برغم الاحتلال قادر على إبداع أسلوبه الوطني لاستمرار نضاله الطويل بما يتوافق مع الشرعية الفلسطينية والشرعية الدولية.
ويبقى المأزق الأميركي والإسرائيلي في الشعارات وفي الممارسات ماثلا أمام شعوب العالم دليلا على الازدواجية وعلى ضعف المنطق وعلى اللامصداقية سواء بالنسبة لمجافاة الديمقراطية الحقيقية أو لمعاداة الشرعية الدولية في الوقت الذي تقيمان حججهما على أساس زائف بالتمسح في الديمقراطية والشرعية الدولية.
والغريب أنهما تتخذان هذه المواقف المتناقضة بحجة وصف أعور لحركة حماس « بالإرهاب» وهي التي تناضل شرعيا ضد الاحتلال، بينما تساند دولة الاحتلال التي تمارس على الشعب الفلسطيني أبشع أشكال إرهاب الدولة متناسية عن عمد أن الاحتلال في حد ذاته والذي ينبغي إنهاؤه أولا هو أعلى مراحل الإرهاب.
ولعلنا جميعا نتذكر كيف تعاملت الإدارة الأميركية ـ ديمقراطيا ـ مع الرئيس الفلسطيني الراحل «ياسر عرفات» الذي كان منتخبا ديمقراطيا من الشعب الفلسطيني عقابا له على رفضه في «كامب ديفيد»التنازل عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني استجابة لديمقراطية المحتلين، ولشرعية الأمر الواقع بالاحتلال بالمخالفة لالتزاماته الديمقراطية أمام الشعب الذي انتخبه، وللحقوق الفلسطينية التي أكدتها الشرعية الدولية.
لقد أوقفت واشنطن المحادثات مع عرفات وفرضت «تل أبيب» الحصار عليه..بل الأكثر من ذلك طالب الرئيس الأميركي بوش باسم الديمقراطية الشعب الفلسطيني «بتغيير قيادته الوطنية في انتخابات ديمقراطية»كشرط لاستئناف أية محادثات أميركية ـ فلسطينية في مسلك صارخ في تناقضه مع أي معنى للديمقراطية.
إن المأزق الحقيقي ليس لحماس ولا للفلسطينيين فقط بل هو أيضا مأزق كبير للإسرائيليين والأميركيين أيضا، وإذ تبدو في الأفق آفاق وطنية فلسطينية، وقومية عربية.
وشعبية إسلامية لدعم النضال الفلسطيني لتحقيق سلام قائم على العدل تبدو في نفس الوقت آفاق دولية وشعبية عالمية لا ترى في حماس منظمة إرهابية عندما عبر عن ذلك في شجاعة الرئيس الروسي «بوتين» موجها دعوة رسمية لقادة حماس لزيارة «موسكو» باعتبارهم المنتخبين ديمقراطيا والممثلين الشرعيين للشعب الفلسطيني..
وبينما ترفض «القاهرة» ممارسة أي ضغط على حماس للقبول بشروط الابتزاز وترعى فيه محادثات فلسطينية لدعم الوحدة الوطنية الفلسطينية ولتشكيل حكومة فلسطينية، وبينما يستعد الزعيم الفلسطيني «خالد مشعل» لزيارة موسكو،.. يتوالى تداعي الجدار الأميركي الإسرائيلي العازل لحماس بترحيب فرنسا بالدعوة الروسية، وتوالي الدعوات لقادة حماس من «فنزويللا».
ـ وما أدراك ما فنزويللا وما تجربة بوش اللاديمقراطية الفاشلة فيها مع رئيسها المنتخب «شافيز»، كما تأتي الدعوات من الأرجنتين والبرازيل على الأبواب الخلفية للإدارة الأميركية.. ويعلن «سولانا» في خطوة أوروبية متراجعة عن الموقف الأميركي استمرار الدعم الأوروبي للحكومة الفلسطينية بقيادة حماس المنتخبة ديمقراطيا من الشعب الفلسطيني.
فهل يتسق الموقف الأميركي المتطابق مع الموقف الإسرائيلي اللاشرعي واللاديمقراطي مع الشرعية الدولية أو الديمقراطية.. أي ديمقراطية هذه ؟!
كاتب مصري
mamdoh77t@hotmai.com