العام 1990 كان منعطفا تاريخيا على أكثر من وجه. نزق دكتاتور العراق السابق وغزوه الكارثي للكويت قد يكون الحدث الذي دشن لتغييرات هائلة ستأتي فيما بعد وستتوالى مثل الموجات الارتدادية.

لقد حدث تغيير مهم في ثنايا الغزو والحرب: لقد تابع مواطنو الخليج وبقية العرب الحدث كله من خلال أداة إعلامية غير عربية، من خلال قناة تلفزيونية أميركية كانت تبث على مدار الساعة.

لقد انتهى عهد ختام البث التلفزيوني بالسلام الوطني منتصف الليل، انتهى عهد المذيعين المتخشبين الذين يثيرون الشفقة ودخل القاموس مصطلح جديد اسمه «البث الفضائي». لم تزدهر اللغة الانجليزية بين السكان فحسب، بل أصبحت أسماء مراسلي محطة «سي.ان.ان» الصاخبة معروفة على نطاق واسع مثل نجوم السينما والمسلسلات التلفزيونية.

لقد بدا الأمر مسليا عندما اكتشفت وصديق تونسي كان يعمل في البحرين انه قريب الشبه بمذيع محطة «سي.ان.ان» برنارد شو. كان اسمر اللون من جنوب تونس وبنظارته ذات الإطار المستدير وشعره القصير المقصوص بعناية، كان قريب الشبه بالمذيع الذي رسخت صورته في ذاكرة ملايين المشاهدين وهو يقرأ نشرة الأخبار يومياً على شاشة لا تعرف التوقف.

لقد كان موضع فضول واسع ورحنا نتسلى بابتكار المقالب مع العاملين في المقاهي والمطاعم وحتى الفضوليين في الشارع عبر تقمص شخصية برنارد شو. لقد غدا هذا التونسي المغمور حتى 2 أغسطس 1990 مثل نجم سينمائي بفضل هذه المحطة.

لكن التأثير ابعد من هذا الهذر والتسلية، فهذه المحطة التي صنعت لنفسها عبر الدعاية المكثفة وهي تعرض من حين لآخر مقتطفات لأقوال رؤساء دول يؤكدون أنها محطتهم المفضلة، صنعت أسطورتها الخاصة، لكنها أسطورة مصطنعة.

فعندما اندلعت الحرب في 17 يناير 1991 ، بثت محطة منافسة هي محطة «سي.بي.اس» أولى اللقطات من بغداد وهي اللقطة الشهيرة لمضادات الطائرات العراقية تضيء سماء بغداد بقذائفها في مواجهة طيران الحلفاء.

لكن اللقطة التي اشترتها محطة «سي.ان.ان» من منافستها «سي.بي.اس» استخدمتها في شريط دعائي كانت تبثه من حين لآخر بصوت برنارد شو نفسه الذي ذهب إلى بغداد ضمن فريق المحطة لتغطية الحرب.

أما أولى اللقطات التي سجلتها كاميرات التلفزة من داخل الكويت المحررة، فكانت من نصيب «سي.بي.اس» أيضاً وليس «سي.ان.ان» رغم أن إحدى أكثر النكات التي شاعت أثناء تلك الحرب تقول:

«كم جنديا يتطلب إطلاق صاروخ سكود عراقي؟.. الجواب، ثلاثة. سائق الشاحنة التي تجر منصة الإطلاق، مشغل الصاروخ، ثالث يتصل بمحطة سي. ان. ان».

في حرب البوسنة لاحقا، كانت الريادة لصحافية التحقيقات البريطانية المخضرمة كيت ايدي من «بي.بي.سي» التي عرفت العالم على مفردة جديدة مرعبة في الحرب البوسنية:

معسكرات الاعتقال الصربية التي أظهرت عظام المعتقلين الناتئة من الجوع. لكن الشهرة كانت من نصيب «سي.ان.ان» ومذيعتها كريستيانا امانبور التي أجرت لاحقا بعد ايدي تحقيقات عن الموضوع نفسه وموضوعات أخرى.

لم تجلب «سي.ان.ان» العالم كله إلى مواطنين اعتادوا السكون والرصانة فحسب، بل جلبت معها صخبا وضجيجا لا يصد. ماذا كانت النتيجة؟.

انطلقت المحطات الفضائية العربية، البداية مع «ام .بي. سي» والآن لن تستطيعوا العد. لا يعزى ذلك للسهولة التقنية ولا الكلفة المنخفضة لإطلاق محطة فضائية فحسب، بل ثمة ما تغير حقا. ان رخص التكنولوجيا ليس سوى عامل مشجع على حقيقة لم يعد بالإمكان تفاديها: حجب المعلومات لم يعد ممكنا. لقد دفع هذا المحطات الرسمية أيضاً لكي تخرج عن نمطيتها التي اعتادت عليها عقودا طوال.

لكن وسط غابة المحطات الفضائية العربية هذه، يمكننا الرجوع إلى مثال «سي.ان.ان» ومنافساتها الأخريات، الجودة ليست مرهونة بالضرورة بالأكثر انتشارا. لكن الانتشار لم يعد مرتبطا بأي سبق إعلامي تقدمه هذه المحطات.

هكذا، راحت قوانين الانتشار للفضائيات العربية تصيغ نفسها في مكان آخر: صخب وضجيج أيضًا برامج الترفيه والفيديو كليب بغزارة. المحطات التلفزيونية اللبنانية هي الأولى في برامج الترفيه التي تزيد جرعتها على البرامج الإخبارية.

السياسة مكروهة في بلد مثل لبنان عانى من حرب أهلية امتدت 16 عاما، لكن هذا بالضبط ما يعطينا التفسير الأهم لهذا الولع بالترفيه لدى اللبنانيين. إن الإقبال على الحياة بنهم والاستمتاع بالمباهج والترفيه المطلوب بحد ذاته، ليست سوى علامات لرغبة قوية في التعافي من ميراث الحرب الطويلة.

لكن كل هذا الضجيج والصخب ليس سوى تعبير عن تغيير أعمق أصاب مجتمعاتنا. ثلاث حروب طاحنة دارت في هذه المنطقة في ثلاثة عقود: الثمانينات، التسعينات، الألفية الثالثة. ربما نبدو مثل اللبنانيين قليلا، لكن هذه الحروب تبدو مثل خلفية المشهد، ففي عمق المشهد اختل السكون الذي اعتدناه عقودا طوال.

وبدلا من تلفزيون رسمي واحد أصبح بإمكاننا أن ندير أزرار التحكم بين مئات المحطات التي تتراوح بضاعتها من الأيديولوجيا المحضة والوعظ الديني إلى الخدمة الإخبارية الساعية إلى شيء من الاحتراف والبرامج الحوارية وصولا إلى الترفيه بكل أشكاله وبرامج تلفزيون الحقيقة.

الحقيقة الباقية في هذا الضجيج كله هو ان الخيار بات بيد الأفراد وليس هناك من يقرر سلفا ماذا يتعين على الناس ان تشاهد. ربما خطوة اولى نحو تغييرات آتية لا محالة.

كاتب بحريني