كل الشواهد تؤكد أن إسرائيل تسعى إلى معاقبة الشعب الفلسطيني رداً على الانتخابات التشريعية التي فازت بها حركة المقاومة الإسلامية «حماس».

العقاب قائم بالفعل من قبل أن تجرى الانتخابات، فالعدوان الإسرائيلي لم ينقطع والذراع العسكرية تلاحق الفلسطينيين في كل مكان، والحصار مستمر ويزيد من معاناة الشعب الفلسطيني. ولكن الجديد هو مسعى إسرائيل إلى استثمار ما جاءت به نتائج الانتخابات الفلسطينية لصالح مخططاتها التوسعية.

لقد صورت الدولة العبرية نتائج تلك الانتخابات على أنها تنسف مسيرة السلام وتعزز الإرهاب . ومنذ إعلان نتائجها وإسرائيل تحرض المجتمع الدولي على تأديب الفلسطينيين والضغط عليهم اقتصاديا لمجرد أنهم عبروا عن آرائهم ومواقفهم السياسية وأتوا بحماس إلى رأس الساحة السياسية .

والمجتمع الدولي حتى الآن لم يستجب لما تريده إسرائيل، حيث تعالت أصوات عاقلة تدعو إلى إتاحة الفرصة لحركة حماس للتصدي للمسؤولية الملقاة على عاتقها. أصوات عربية وأوروبية ـ على رأسها صوت الكرملين ـ تطالب بالصبر والتأني وعدم اتخاذ مواقف انفعالية تضر أولا وقبل كل شيء بالشعب الفلسطيني وبعملية السلام برمتها.

ومن المؤسف أن إسرائيل ـ ولأنها لا تبدي موقفا واضحا تجاه مسيرة السلام ـ تتعجل اتخاذ قرارات ومواقف تضر بمصالح الشعب الفلسطيني، بل تصل إلى درجة خنقه وتجويعه.

وبالأمس كشف رئيس الوزراء الإسرائيلي بالوكالة ايهود أولمرت عن نواياه تجاه الشعب الفلسطيني الذي ظل يئن من وطأة احتلال غاشم على مدى 39 عاماً.

هذه النوايا العدوانية تتمثل في رغبة أولمرت في تطبيق سلسلة من الإجراءات للفصل بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية . إلى جانب قرارات تأديبية، أعدها رؤساء الدوائر الأمنية والسياسية الإسرائيلية، وتشمل تجميد عمليات التحويل الشهرية لملايين الدولارات التي تجمعها إسرائيل كرسوم عائدة للسلطة الفلسطينية والتي تشكل ثلث ميزانية السلطة.

الإجراءات الإسرائيلية تستهدف أيضا منع الفلسطينيين من السفر بين قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة، ومنع العمال الفلسطينيين من الدخول إلى إسرائيل للعمل، وتجميد مشاريع البناء في قطاع غزة مثل تشييد الميناء البحري.

إن ما تسعى إليه الحكومة الإسرائيلية، يستهدف تدمير اقتصاد شعب يعاني في معظمه من اتساع دائرة البطالة، وغالبيته يعيش تحت خط الفقر. وبالإجراءات الجديدة التي يريد أولمرت تطبيقها، يصبح الشعب الفلسطيني أمام خطر الجوع. من المؤسف أنه أمام ما تسعى إليه إسرائيل، هناك صمت عربي، يبدو محيراً حقاً.

إن الفلسطينيين أمام خطر جديد يهدد كيانهم، وينال من إرادتهم. ما تريده الدولة العبرية الآن، هو إذلال الشعب الفلسطيني وتجريده من حريته والحجر على إرادته. جريمته الآن كما يصورها حكام تل أبيب، هي أنه أتى بحماس إلى القمة. والحركة لم تتح لها الفرصة لتبلور موقفا محددا لصالح إرادة الشعب الفلسطيني.

لو كانت نوايا إسرائيل طيبة كما تريد أن تصور للعالم، ما كانت تسعى إلى استثمار نتائج الانتخابات الفلسطينية لصالح مخططاتها وأهدافها التوسعية.

النوايا الصادقة تتطلب من إسرائيل أن تعيد الحق لأصحابه طبقا للشرعية الدولية. أما أن تسلك كل السبل للتهرب من التزاماتها الدولية وإلقاء اللوم على الشارع الفلسطيني، فتلك ذريعة صهيونية تعني أن إسرائيل لا تريد سلاماً ولا تبالي بالشرعية الدولية التي من المفترض أن تلزمها بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة في أقرب وقت.