لم يعد قادة «فتح» يتذكرون أن فلسطين أرض تحت احتلال. فقد أصبح هاجسهم الأعظم في أعقاب اكتساح «حماس» الانتخابات البرلمانية هو الكيد لحكومة «الحماسية» المرتقبة على الصعيدين الداخلي والخارجي وابتكار حيل لعرقلة نشاطها ومسارها عوضاً عن التعاون معها في معركة تحرير الأرض من الاحتلال.

على عجل دعا قادة فتح المجلس التشريعي المنتهية ولايته والذي تسيطر عليه أغلبية من هذا الفصيل إلى عقد جلسة «وداعية»، أجاز خلالها مرسوماً صدر عن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، يعطيه حق تعيين رئيس المحكمة الدستورية وقضاتها ليضع بذلك المجلس التشريعي الجديد الذي يشكل نواب حماس أغلبيته المطلقة أمام أمر واقع. وكما هو معلوم فإن المحكمة الدستورية هي الجهة القضائية التي تبت في الخلافات التي قد تنشأ بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية.

إنها لعبة مكشوفة. فرئيس السلطة الفلسطينية يريد قضاة طوع بنانه يعينهم بنفسه استعداداً لمعركة دستورية مستقبلية يفتعلها. فأغلب الظن أن الرئيس محمود عباس يضمر منذ الآن نية لحل المجلس التشريعي الجديد، حتى إذا ما رفعت قيادة حماس دعوى دستورية بأنه ليس من حق الرئيس دستورياً اتخاذ مثل هذا القرار الخطير انتصر قضاة المحكمة الدستورية الموالون للسلطة لقرار الرئيس.

وتمرير مرسوم قضاة المحكمة الدستورية ليس القرار الوحيد الذي تبناه مجلس فتح التشريعي المنصرف، فقد قام المجلس بتعيين مدير عام لهيئة الرقابة المالية والإدارية، وغني عن القول إن المدير العام الجديد من قيادات فتح.

أقطاب فتح اذن يتحوطون مقدماً ضد اعتزام حكومة حماس المرتقبة فتح ملف الفساد في عهد السلطة الفلسطينية مراهنين على دور يقوم به مدير عام الرقابة الإدارية والمالية في حجب المعلومات عن وزراء حماس أو تحريفها أو تزوير معلومات أو تدمير ملفات مهمة الخ.

أما ما يضمره قادة فتح من كيد على الصعيد الخارجي فإنه يظهر في أحدث تصريحات لأحد أقطابها البارزين. ففي حديث إلى إذاعة «سوا» الأميركية قال صائب عريقات إنه «لا يمكن لحماس أن تقود الشعب معتمدة برنامجاً يخالف الأطر الدولية والعربية».

هذه «الشفرة» معناها بلغة مبسطة ومباشرة أن على حكومة حماس أن تلتزم باتفاق أوسلو ومشروع خريطة الطريق فضلاً عن الاعتراف بإسرائيل ونبذ الكفاح المسلح دون المطالبة بمقابل من الطرف الآخر وكأن الشعب الفلسطيني لم يرفض كل هذا من خلال دعمه الانتخابي الكاسح ل«حماس» ونهجها في كيفية تحرير الأرض.

لقد كان انتصار الشعب الفلسطيني ل«حماس»، هو في الوقت نفسه، سؤالاً استنكارياً إلى قادة فتح وسلطتهم بزعامة عباس: ماذا أنجزتم خلال 13 عاماً من أوسلو وسياسة المهادنة والمناشدة سوى أنكم مهدتهم الطريق للقيادات الإسرائيلية لتطبيق خطة أحادية لحسم قضايا الوضع النهائي، بما يتلاءم مع المخطط التوسعي الإسرائيلي؟

وإذا كان من الجائز نظرياً التماس عذر لقادة فتح والسلطة الفلسطينية بزعامة عباس بأن القيود الرسمية اضطرتهم إلى مهادنة إسرائيل المدعومة أميركياً، فكيف يجوز التماس أي عذر لهم بعد أن انتقلوا إلى رحاب المعارضة.