يا للخجل. أهؤلاء جنود بريطانيا العظمى يضربون فتية ما كادوا يبلغون الحلم بالهراوات، ويركلونهم كيف ما تأتى لهم دون رحمة أو شفقة؟ الم يرجف قلب أو ضمير واحد منهم من الآهات والصرخات الصادرة عن أولئك الأطفال؟
لقد خجلت من نفسي، لا أدري لماذا، فالأمر برمته لا يعنيني، والجندي البريطاني الذي استأسد على صبي داخل سور المعسكر لا علاقة لي به، فلماذا أخجل؟ لعجز أصابني أم لخوف راودني؟ أم هي العاطفة نحو صغار العراق الموعودين ببشارة سادة العالم بالتحرير من الطغيان ونشر العدل والأمان في ربوع بلادهم؟ أم هو الحقد أراه في شراسة لابس الخوذات والبدل المرقطة، أم ماذا الذي أشعرني بالخجل؟
لم أر المنظر المؤلم في القنوات العربية، بل كان يتصدر نشرات الأخبار في قنواتهم، وتتصدر صور الواقعة أغلفة صحفهم، هم كانوا خجلين من الذي حدث، فغطوا وجوه المجرمين بالسواد، ليس لإخفاء شخصياتهم تسترا، ولكن لطمس ملامحهم تنصلاً، وتهرباً من أن يحسب أفراد تلك المجموعة المنحرفة عليهم، أن يعدوا أتباعاً للدولة التي أرست قبل مئات السنين قواعد العدل والمساواة وحقوق الإنسان،
وهي نفس الدولة التي فتحت مختبرات العلماء لتطلق القرود والكلاب والجرذان المعذبة في التجارب والأبحاث العلمية، وهي التي سيرت المسيرات وأسست المنظمات للدفاع عن حقوق الحيوان بعد أن انتهت من تشريع وتنظيم كل حقوق ومتطلبات واحتياجات الإنسان.
خجلت لخجل الإعلام البريطاني، وخجلت من لا خجل الحكومة البريطانية، لحظة أن رأيت توني بلير مازال متمسكا بالدور العظيم لجنوده في العراق وهو يعلق على مشاهد ضرب الأطفال، خجلت عندما تحدث بعنجهية وصلف عن مزاعم اعتداء من الرجال الذين كما قال رفعوا رأس الأمة، وسينظر في حقيقة ما يقال عنهم،
هكذا، لم تهتز له شعرة، ولم يحمر وجهه حياء، ولم يخجل، فخجلت نيابة عنه، فنحن لسنا في حقب الظلام، حيث لا أحد يرى أو يسمع أو يصور، يوم أبيدت أمم وشعوب باسم الحضارة، وبحماية من المدافع والبنادق، ولم تصل أخبارها إلا بعد عشرات السنين، نحن اليوم نعيش في النور، العدالة تعيش في النور،
والمساواة تعيش في النور، والجريمة يفضحها النور، والحقيقة تكبر في النور، والمصداقية بحاجة إلى نور، وقد صدقناهم جميعا، صدقنا أن القانون هو سيد سادة زعماء الديمقراطية في العالم، ونكاد نصاب بخيبة أمل بعد الخجل، وخيبتنا كبيرة عندما نكتشف أن العدل ليس من حق فتية صغار لم يبلغوا الحلم في أرضهم.
فmyosef_1@yahoo.com