بدا من تطورات الأسابيع الأخيرة أن مشروع الشرق الأوسط الكبير يواجه العثرة وراء العثرة، فبعد الأداء المفاجئ لمرشحي الإخوان المسلمين في مصر، كانت المفاجأة التي حققتها حركة «حماس» في الانتخابات التشريعية الفلسطينية،
ويبدو أن هذه الحالة انعكست على الموقف الأميركي من قضية «الكاريكاتيرات الدنماركية» التي هيّجت العالم الإسلامي، وجعلته ساحة للمشاعر الغاضبة على الدنمارك وكل الدول الغربية، وبالطبع أميركا بينها، على رغم أن لا علاقة مباشرة لها في ما حدث في الدنمارك.
بعد ثلاثة أعوام من تدشين المشروع الأميركي الخاص بإصلاح منطقة الشرق الأوسط، ترى واشنطن مشروعها ينهار لعدد من الأسباب، بينها هذه الكاريكاتيرات، وإن كان الأبرز في عوامل الفشل هذه، ما يجري في العراق وأفغانستان من عدم استقرار،
ومن غياب للجنة الموعودة، فإن تحققت الديمقراطية عبر إجراء الانتخابات كان الفشل كبيراً في توفير الأمن، وتالياً الحرمان من العمل، والتعليم، والحرية، وانتشار الفساد والمذهبية الطائفية وهي عوامل لا استقرار، فما نفع الديمقراطية التي تجري مرة كل أربع أو خمس سنوات إذا ضاعت لوازم الحياة اليومية؟
ومع هذه الديمقراطية التي فرضت عبر العمل العسكري الذي تسبب في موت الآلاف بسبب صواريخ الطائرات وقذائف الدبابات انتشرت عدوى الطائفية والمذهبية في محيط هاتين الدولتين ـ النموذج، إلى جانب تقدم واضح للتيار الديني وهو ما يعاكس الأهداف التي ترجوها الولايات المتحدة الأميركية عندما فكرت في عقيدتها السياسية الجديدة نحو الشرق الأوسط، صغيراً كان أو كبيراً، وثانياً شعور واشنطن بالصدمة،
أو على الأقل تغيير تكتيكها الذي دأبت على استخدامه خلال الفترة الماضية. المشكلة هنا، أن أميركا تريد نشر الديمقراطية والحرية، ولكن ضمن حسابات خاصة بها، وهو ما لا يمكن ضمانه في منطقة تدين لها بالكراهية على طول الخط، وربما بالفطرة.
وإلى جانب العثرات الأخرى التي بدت كرد فعل على الأيديولوجيا الأميركية الجديدة، كانت هناك ردّات فعل أخرى خارج سياق المتوقع، فها هي مصر التي حقق فيها الإسلاميون قبل ثلاثة أشهر تقريباً تقدماً في الانتخابات التشريعية تتراجع عن استحقاق ديمقراطي يتعلق بالانتخابات البلدية خوفاً من اكتساحها من جانب الإسلاميين وهو ما يعني اقتراب الإسلاميين من مستلزمات الشعب اليومية بصورة حثيثة وأكثر التصاقاً، ما يعني تعزيز نفوذهم على أرض الواقع.
وهذا ما كان يجب أن تدركه واشنطن قبل تدشين أيديولوجيا الشرق الأوسط الجديد، فالناس تريد مشاريع صرف صحي، وخدمات علاجية، وتأميناً صحياً، ومدارس مزودة بأساسيات التعليم، ثم تؤسس لاحقاً لفكر الديمقراطية.
والسؤال هنا، ماذا كان يمكن أن تحقق الإدارة الأميركية لو صرفت ال200 مليار دولار (وهو الرقم المعلن) التي أنفقتها على حرب العراق حتى الآن، في توفير مسلتزمات الحياة اليومية للشعوب المحرومة؟ الجواب، لكان الجميع يهتف لها ب«الروح بالدم..»،
ولكانت الأرض أمامها جاهزة لبذر بذور الديمقراطية. ولكنها في ضوء الوضع الراهن تحتاج لعقود، وربما لخمسة أضعاف هذا المبلغ، لتهيئة الأرضية اللازمة لنشر مفهومها للديمقرطية، الذي أصبح فاقداً للمصداقية.
وفي هذا الصدد يشار إلى أن اثنتين من وسائلها لنشر هذه الديمقراطية باءتا بالفشل: الأولى مجلة «هاي» التي غض النظر عنها بعدما فشلت في الوصول إلى الشباب، والثانية قناة «الحرة»، التي تقترب الإدارة الأميركية من إعلان فشلها في الوصول إلى الشارع العربي.
Nidal @ albayan.ae