تحتل علاقة المريض بالطبيب المعالج والموظفين مقدمي الرعاية الصحية من ممرضات وغيرهم، مكان المركز من حيث أهميتها للعملية العلاجية. فالعلاج ليس قائمة فقط على التشخيص ووصف العلاج الكيميائي، بل أنه، وكما أثبتت الكثير من الدراسات الحديثة في مثل هذه المجالات، إنه قائم أيضا وبشكل كبير على نوعية العلاقة التي تربط المريض بالطاقم العلاجي،
خاصة بالنسبة للمرضى المصابين بأمراض خطيرة أو مزمنة. علاوة على ذلك، إن علاقة المريض بطاقم العلاج هي علاقة علاجية بالدرجة الأولى، فالطرفان، المريض وطاقم العلاج، يسعون للوصول لأهداف واحدة تتلخص في توفير المساعدة الطبية الصحيحة واللازمة للمريض،
وبالشكل الذي يجعل المريض راضياً وقانعاً بالخدمة الطبية المقدمة له. الطبيب في هذه العلاقة يجب أن يجمع بين المبادئ العلمية والإنسانية حتى يوفر للمريض الرعاية الأفضل، ويجب أن يحتل الجانب النفسي (السيكولوجي) مرتبة أولية في هذه العلاقة، نظراً لأنه يشكل نصف العلاج.
سئل مرة الطبيب البريطاني مايكل بالينت، وهو أول طبيب جمع في علاجه بين الجانب النفسي والجانب الطبي في تشخيص حالة مرضاه، ما هو الدواء الذي تستخدمه بكثرة في ممارستك الطبية؟ فأجاب »الطبيب هو الدواء«.
إن مفهوم تداخل الجوانب السيكولوجية بالأمراض الجسدية يعتبر أحد الاكتشافات الثورية في الطب الغربي في الستينات من القرن الماضي (على الرغم من قدمها في الكثير من الثقافات الشرقية)، أما اليوم فهو من بديهيات الممارسة الطبية في تلك الدول.
وهناك قول شائع في الغرب يقول »نصف المشكلة المرضية تتلاشى برؤية الطبيب، والنصف الآخر المتبقي يتلاشى عند تناول الوصفة الطبية«. في هذا السياق يبدو واضحا أن احترام المريض لشخص طبيبه، إيمانه بقدراته وعلمه وطبيعة العلاقة التي قد تربطهم ببعض، هي الأساس لنجاح العملية العلاجية.
مثل هذه العلاقة الايجابية بين المريض وطاقم العلاج، لا نجدها إلا عندما نسافر للخارج للعلاج، وأحيانا نلمسها في بعض مشافينا الخاصة الموجودة في الدولة. ما فيما يتعلق بمستشفياتنا الحكومية فهي في الغالب تكاد تخلو من مثل هذا المفهوم، إلا في حال وجود »واو« تشفع لك وتستثنيك من المعاملة غير المبالية.
الجميع عندنا يشتكي من أن علاقة الطاقم العلاجي بالمريض علاقة أوتوماتيكية، آلية، وتخلو من أي تفاعل إنساني أو إحساس بحالة المريض أو أسرته. فبالنسبة لكثير من الأطباء أي توعك صحي هو مرض ويمكن فحصه ومعرفته من خلال التحليلات المختبرية والملاحظات العيادية المختلفة.
أما بالنسبة للمريض، فالتوعك الصحي هو اضطراب للحياة يريد تسويته بشكل ايجابي. بناء عليه، نجد الطبيب أكثر اهتماما وتركيزا على التطورات الطبية المتسارعة وإمكانية استيعابها وتطبيقها، وهذا يجعله أحيانا كثيرة غافلاً تماماً عن الاهتمام بالتواصل مع مرضاه وفهم أحاسيسهم ومشاعرهم.
إن رضا المريض وارتياحه يأتي بالدرجة الأولى عندما يشعر أن هناك من يسمعه ويفهم مرضه ويتعاطف معه، غير أن الكثير من الأطباء لا يعتقدون أن من واجب الطبيب الإنصات لمريضه وتفهم مشكلته، ويرون أن مهمتهم في العملية العلاجية تتلخص في تشخيص المرض وتقديم الخدمة الطبية المناسبة، متى ما تيسر ذلك.
بمعنى آخر هم الآلة التي تقدم الرعاية الطبية، الآلة التي تبحث عن المرض باستخدام ما تيسر من التكنولوجيا الطبية وتعالجه بما تيسر من كيماويات. ولأنهم آله فهم لا يجيدون التصرف أو التعامل مع الجانب السيكولوجي والاجتماعي للمريض.
يشعر الأطباء أحيانا بالإحباط والتوتر عندما يخفي عليهم المريض جوانب من حالته الصحية وخاصة الجوانب الخاصة. ولكنهم في الوقت نفسه ليس لديهم الاستعداد المهني والنفسي للإنصات والتفاعل الاجتماعي الايجابي مع المريض، والذي يجعله أكثر ثقة وانفتاحا مع طبيبه المعالج وطاقمه.
فعلى سبيل المثال، الكثير من الأطباء يتعاملون مع مرضاهم بدونية ويترددون في إعطاء المريض أية معلومات عن مرضه اعتقادا منهم أنه اقل من أن يفهم ما سيقوله الطبيب، وبأنه يجب أن يسمع ويطيع دون سؤال أو اعتراض. في المقابل مثل هذا السلوك يجعل المريض في حالة قلق وتوتر وخوف مما يعتري جسده ولديه رغبة شديدة لمعرفة سبب وشكل الخلل الذي يعاني منه، مما يؤدي إلى انتقاله من طبيب لآخر باحثا عمن يهدئ من روعه.
معاملة الممرضين في الغالب ليست بأفضل حال ولا تعوض المريض جفوة الطبيب ولا تبعث على الاطمئنان في قلبه، فغالبيتهم أكثر تعاليا وغرورا من الأطباء الذين يعملون معهم، فهم يرفضون الإجابة على أبسط أسئلة المريض، وخاصة عندما يكون المريض »مواطنا«، لأنهم يعتقدون بأن وعيه ومداركه لا تؤهله لفهم المعلومات الطبية.
وهناك أمثلة كثيرة على ذلك وأقربها ما حدث لي شخصياً مع إحدى الممرضات. فبينما كنت أزور أحد الأقرباء في أحد المستشفيات بالدولة، دخلت الممرضة، وبعد أن مارست بعض اختصاصاتها مثل قياس ضغط الدم وما شابه، قالت لي وهي تهم بالخروج: نحتاج لملطف للجو من أجل تلطيف رائحة المكان. وأضافت وهي تريني عبوة الملطف، معتقدة أنني لم أستوعب طلبها، يعني مثل هذا.
قلت لها ولكن هذا مركب يحتوي الكثير من المواد الكيماوية التي قد تؤثر على الفتحة الجراحية الموجودة في رقبة المريض، والتي تساعده على التنفس. فردت بمنتهى الوقاحة: نحن لن نرشها في الفتحة الجراحية الموجودة في رقبته. قلت لها: وأنا لست بهذا الغباء حتى أعتقد مثل ذلك.
هذا مثال بسيط، وهناك أمثلة أخرى كثيرة لا يسعنا المجال هنا لذكرها، وكلها تعكس لنا مستوى المعاملة غير الإنسانية ممن يسمون «ملائكة الرحمة» كما تعكس في نفس الوقت نوعية وطبيعة الخدمة الطبية المقدمة في مشافينا.
أكد حوالي 70 ألف مبحوث في إحدى الدراسات الميدانية، أن العلاقة الايجابية بين الطاقم العلاجي والمريض تعمل على تحقيق تشخيص أكثر دقة واستجابة أفضل للعلاج وسرعة في الشفاء. دراسة أخرى قام بها الباحث الأكاديمي نورمان كوزين المتخصص في دراسة الجوانب السيكولوجية للطب،
والتي ركزت في أحد جوانبها على، لماذا يترك المريض طبيبه ويتوجه لطبيب آخر، بينت أن السبب وراء هجر المريض لطبيبه لا يرجع إلى ضعف كفاءة الطبيب وقلة معرفته، ولكنه يرجع إلى سوء وضعف تفاعل الطبيب مع مرضاه.
مهمة جدا تلك العلاقة التي تربط الطبيب بمريضه، وفي كثير من الأحيان عندما تعجز الكيماويات الطبية في تحقيق الهدف المنشود منها، تبقى علاقة الطبيب بمرضاه أفضل مركب كيميائي لتحقيق الشفاء.
جامعة الإمارات