مشكلة الإساءة للإسلام والمسلمين والعرب ليست وليدة البارحة ولا تعود للرسوم الكاريكاتورية التي نشرتها صحف في الدنمرك والنرويج ودول أوروبية أخرى في الأسابيع والشهور الماضية،
بل المشكلة لها جذور في التاريخ. فهناك أفلام ومقالات وكتابات عديدة وحتى كتب مدرسية في بعض الدول الغربية شوُهت الإسلام والدين الحنيف وأساءت للرسول صلى الله عليه وسلم. هوليود والصناعات الإعلامية والثقافية الغربية لها تاريخ طويل وقصص عديدة حول إشكالية تشويه صورة المسلم والعربي والإسلام.
فالآلة الإعلامية الغربية تفننت في تقديم وتصوير المسلم على أنه الماكر ومحترف الغدر والخيانة والملذات والشهوات الجنسية وانه زير نساء بامتياز. ومؤخرا جاءت ظاهرة الإسلام وفوبيا ومعادلة العربي والمسلم بالإرهابي والمجرم وسفاك الدماء وقاتل الأبرياء.
والقضية في عمقها وبعدها التاريخي تتمثل في صراع حضاري ثقافي ديني. فالغرب بعد انهيار الشيوعية والكتلة الشرقية جعل من الإسلام العدو الجديد والخصم الذي يجب أن يُطوق ويُحاصر ويُحتوى من كل الزوايا والجهات ويحارب بكل الوسائل والطرق ويعتبر الشماعة التي تلقى على مسؤوليتها كل هموم ومشاكل البشرية..
سيناريو سلمان رشدي تكرر مع الكاتبة البنغالية تسليمة نسرين التي كتبت رواية « العار « تنتقد فيها الدين الحنيف ومعاملة المسلمين للمرأة وقضايا أخرى. الكاتبة البنغالية مثلها مثل سلمان رشدي لا تعرف عن الإسلام وعن الدين الحنيف إلا القشور والصور النمطية والأفكار القائمة على الضغينة والحقد والكراهية.
تسليمة نسرين كاتبة مبتدئة غير معروفة في الساحة الأدبية والفنية والإبداعية سواء محليا أو إقليميا أو دوليا، لكن هذه الكاتبة استقبلت بحفاوة كبيرة من قبل السلطات السويدية ومُنحت جائزة كبيرة وعٌملت وكأنها كشفت الكون وعلاج داء السيدا. نفس المعاملة تلقتها من السلطات الفرنسية ووسائل الإعلام الفرنسية المختلفة.
يحدث هذا لكاتبة مغمورة قامت بالتشويه والتحريف والتطاول على الإسلام، ويحاكم رجاء غارودي الذي قال الحق وكشف عن الباطل بالأدلة والأرقام. يحدث هذا التناقض الصارخ باسم حرية التعبير وباسم حرية الرأي وفوق أراضي الديمقراطيات الغربية التي تتغنى بالديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات الفردية.
القاسم المشترك بين الأحداث والقضايا السابقة هو الدين الإسلامي والمسلمين، والإساءة إلى الحضارة الإسلامية. ومن خلال هذه القضايا تحركت اللوبيهات المعادية للإسلام والمسلمين والعرب وتحركت الماكينة الإعلامية الغربية لتشويه وتضليل الرأي العام الغربي والأميركي والعالمي بما يخدم المصالح الغربية والمصالح الصهيونية قبل كل شيء.
المفكر والفيلسوف الفرنسي رجاء غارودي كتب كتابا بعنوان» الأساطير المؤسسة لإسرائيل « حلل من خلاله بالأدلة والبراهين والدراسة والبحث التناقضات التي تتميز بها دولة إسرائيل والحركة الصهيونية العالمية.
ومن بين المواضيع التي تطرق إليها الكاتب موضوع عدد ضحايا المحرقة «الهولوكوست» حيث أكد غارودي أن العدد هو تسعمائة آلاف وليس ستة ملايين، كما تطرق غارودي إلى اليهود الذين تعاملوا وساعدوا النازية أثناء الحرب العالمية الثانية.
والسؤال الذي يُطرح هنا هو لماذا يستعمل الصهاينة (الهولوكوست) لتبرير أعمال فاقت أعمال المحرقة؟ أين مجزرة قانا؟ وصبرا وشاتيلا؟، أين الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية في فلسطين؟ في آسيا، في أفريقيا، في أميركا اللاتينية وفي أستراليا؟
من خلال كتابه استطاع غارودي وبكل شجاعة وجرأة إن يعرّي الأساطير الكاذبة التي استعملها الصهاينة لبناء دولة من العدم، وهذا ما أزعج الصهاينة وحرك الآلة الإعلامية في الغرب للقضاء فكريا ومعنويا ونفسيا على غارودي وكل من يقف في طريق الكيان الصهيوني.
من مفارقات القرن الحادي والعشرين أنه يحق لسلمان رشدي وتسليمة نسرين قذف وشتم وتشويه الإسلام من دون محاكمة وحتى من دون مواجهة فكرية، بل من حق هؤلاء التمجيد والتبجيل والجوائز والاستقبالات الرسمية وغير ذلك. أما بالنسبة لرجاء غارودي المفكر المعروف والمعتدل في آرائه وأطروحاته وكتاباته فجزاؤه المحاكمة ومصادرة حرية التعبير والإرهاب الفكري والنفسي والمعنوي،
وكل ما قاله غارودي في كتابه «الأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل» هو حقائق مدعمة ببراهين وحجج وبيانات وباعتراف عدد كبير من اليهود أنفسهم. وهكذا جاء قانون «فابيوس ـ جيسو» في بلد «زولا» و«فولتر» و«جون جاك رسو» كأول قانون يحمي الخرافات والأكاذيب الصهيونية ضاربا عرض الحائط حرية الفكر وحرية التعبير وحرية الصحافة وحرية الاختلاف في الرأي،
والقانون جاء ليدافع عن اليهود، واليهود وحدهم ضاربا بعرض الحائط الإنسانية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومبادئ العدالة والمساواة بين الأجناس والأعراق والديانات والأيديولوجيات، محاكمة غارودي كانت وصمة عار للقضاء الفرنسي ولحرية التعبير والرأي والصحافة في فرنسا وكل ما قدمه غارودي في كتابه هو تفنيد أساطير وأكاذيب عمرت لمدة طويلة جدا تزيد على نصف قرن بدون مساءلة وبدون استقصاء أو بحث أو تحرٍ.
غارودي ليس هو الضحية الأولى ولن يكون الضحية الأخيرة لأعداء الإسلام وحوار الديانات والحضارات والثقافات في مختلف أنحاء العالم، إن كل من يكشف عن تناقضات العولمة وسلطة الغرب وأطماعه وجشعه سيلاقي نفس المصير الذي لاقاه غارودي.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو أين العرب والمسلمين من كل هذا؟ أين العرب في الخريطة الإعلامية العالمية؟ ماذا فعل العرب والمسلمون لشرح دينهم والذود عنه وتقديمه للآخر بلغة المنطق والعلم وبأسلوب القرن الحادي والعشرين؟ ماذا عن محاورة الآخر ومجادلته بالتي هي أحسن.
لقد تحرك الشارع العربي والإسلامي من موريتانيا إلى إندونيسيا وبقيت أنظمة تتفرج وتتستر وكان الأمر لا يحتاج إلى مبادرة رسمية منظمة ومنسقة ولا يحتاج إلى استراتيجية واضحة المعالم لإنصاف الحق والكشف عن الباطل.
أستاذ الإعلام ـ جامعة الشارقة