ربما لا يوجد شيء تجتمع حوله الجماهير العربية مثلما هو الحال مع كرة القدم. الجماهير قد لا تتفق حول العديد من القضايا المصيرية مثل الأزمات الاقتصادية، والتحولات الديمقراطية، والعلاقات العربية الأميركية، وحتى حول مقاطعة البضائع، لكنها في المقابل تتفق حول كرة القدم، خصوصاً إذا ما تعلق الأمر بالمنتخب الوطني. لا يعني ذلك أن الجماهير العربية برمتها معنية بكرة القدم، ومتابعة المنتخب الوطني،

فهناك الكثيرين الذين لا يهتمون بكرة القدم، ولا يحبونها. لكن الأمر المهم الذي يرتبط بكرة القدم، والذي يجعل الكثيرون يتابعونها، حتى وهم كارهون لها، هو ذلك الطابع الشعبي والجماهيري الذي يرتبط بها. فحينما تقام إحدى المباريات، وخصوصا تلك التي تتعلق بالمنتخب الوطني، لا يرتفع صوت آخر فوق هذا الحدث. حيث تتحرك الجماهير، وترفرف الأعلام، وتنطلق الشعارات، وتنفلت المشاعر.

ويستعجب المرء كيف تزحف هذه الألوف المؤلفة من الجماهير لتشجع المنتخب الوطني، وكيف تغلق الشوارع من أجل الاحتفال بالفوز، وكيف يبيت البعض كمداً وحزناً إذا ما انهزم المنتخب الذي يشجعونه.

تتحول كرة القدم في مثل هذه الأحوال إلى سلوك جمعي حاشد ومعبر في الوقت نفسه. ويمكن القول ان المنتخبات الوطنية في العالم العربي قد تحولت إلى إحد الرموز الوطنية مثلها في ذلك مثل النشيد الوطني والأعلام والمناسبات الوطنية الرسمية.

وفي ضوء أهمية كرة القدم جماهيريا، فإنها قد أصبحت إحدى آليات السياسة العربية المعاصرة. فكرة القدم عامل تنفيس قوى وفعال ضد مشكلات الواقع اليومي المعاش التي يواجهها الكثير من مواطني الدول العربية.

لذلك تهتم الأنظمة العربية بهذه الرياضة وتشجعها وتسعى إلى حل المشكلات التي قد تنشأ بين الأندية الوطنية. وفي بعض الحالات تتدخل القرارات السيادية من أجل منع إحدى الفرق الكبرى من الانسحاب من البطولات المحلية، وبشكل خاص مسابقة الدوري العام التي تجري على مدار السنة بأكملها.

ويمكن القول انه لا توجد رياضة أخرى تستطيع أن تجذب الجمهور العربي مثلما هو الحال مع رياضة كرة القدم. فهي الرياضة التي يمارسها الفقراء في كل مكان، حيث لا تحتاج أية تجهيزات مسبقة مثلما هو الحال مع أنواع الرياضات الأخرى مثل التنس والغولف.

لذلك تنتشر هذه الرياضة في الشوارع وفي الأزقة وفي الملاعب، حيث يمكن أن يمارسها الفقراء والأغنياء على السواء، مع الفارق بأن الفقراء يمكنهم ممارستها وهم حفاة الأقدام.

وفي دورة الأمم الإفريقية الخامسة والعشرين التي استضافتها مصر في الفترة من 20 يناير وحتى 10 فبراير، والتي انتهت بحصول منتخبها الوطني على كأس البطولة للمرة الخامسة في تاريخه الكروي، لم يكن هناك صوت يعلو على صوت مباريات المنتخب المصري. بالطبع تابعت الدول الأخرى منتخباتها الوطنية بالقوة والحماسة نفسها عبر مشاهدة التلفزيون.

ورغم أن غرق العبارة المصرية جاء بعد أيام قليلة من بدء مباريات الدورة، إلا أن متابعة الجماهير لمباريات المنتخب المصري، قد غطت بكثافة على حالة الحزن المرتبطة بغرق المئات من المصريين.

لقد أفادت مباريات المنتخب الحكومة المصرية بشكل كبير من حيث أنها وجهت أنظار المصريين نحو متابعة منتخبها القومي أكثر من أي شيء آخر. لقد تحولت المباريات إلى حدث قومي يتجاوز كل الأحداث الأخرى مهما بلغت أهميتها، ومهما بلغت التأثيرات الناجمة عنها.

كما كانت المباريات ذاتها مناسبة لتداخل الرياضي بالسياسي من حيث حرص القيادة السياسية بكامل أعضائها على مشاهدة المباراة النهائية للمنتخب المصري، بل والحرص على زيارة لاعبي المنتخب في المعسكر الخاص بهم قبل المباراة النهائية.

وتوفر مباريات كرة القدم بشعبيتها الجارفة، فرصة مهمة يمكن من خلالها التركيز على القيادات السياسية، حيث يقوم المعلقون في مثل هذه المناسبات بالحديث عن القيادة السياسية واهتمامها البالغ بالرياضة ومتابعتها.

ولعل ما يلفت الانتباه هنا أنه رغم إشادة اللاعبين والمدرب على دور الجمهور في تدعيم المنتخب المصري الوطني، فإنهم قد حرصوا عبر كل الأحاديث الإعلامية الخاصة بهم على إهدائهم كأس البطولة إلى رئيس الجمهورية، والإشادة بتدعيمه للمنتخب.

يلفت النظر هنا، أن هناك نوعية جديدة من الجمهور المصري، تمثلت في ظهور شريحة لم تكن تظهر من قبل عبر شاشات التلفزيون المصري. فعبر معظم مباريات المنتخب طالعتنا الشاشة بوجوه الحسناوات المصريات، وهم يحملن الأعلام المصرية أو يرسمونها على خدودهن النضرة.

وهي ظاهرة جديدة على جمهور الكرة المصري، وربما أيضا جديدة على المخرج الذي حرص عبر كل مباريات المنتخب المصري على التركيز على وجوه هؤلاء الحسناوات اللاتي لا يمثلن عموم المرأة المصرية من حيث توجهاتها المحافظة، ومن حيث أوضاعها الاقتصادية المحدودة.

ويمكن القول ان ظهور هذه الشريحة من المشجعات الجدد قد جاء متوافقا مع الغلاء الرهيب لأسعار مشاهدة المباريات والتي تراوحت بين 20 و100 جنيه مصري حسب موقع المشاهدة. وعلى ما يبدو أن هذه الأسعار العالية قد جاءت على هوى الشرائح الغنية في مصر من المشاهدين والمشاهدات على السواء.

رغم أهمية كرة القدم في حياة الجماهير العربية بعامة، والمصرية بخاصة، ورغم حالة الإجماع الوطني التي توفرها هذه الرياضة، فإنها تدعم من جانب آخر ثقافة العقلية الجمعية الأقرب إلى ثقافة القطيع في أشد حمولاتها جمودا وعنفا.

فالجماهير المصرية قد عايشت انتصارا قوميا يتناقض مع الواقع المعاش اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، كما أنها سوف تواصل هذا الانتصار في الأيام المقبلة عبر الحديث عنه في كل مكان، في البيت والشارع والعمل، مع الأقارب ومع الأصدقاء. لن يكون هناك حديث سوى عن الكأس والبطولة واللاعبين والمدربين والحكام.

سوف تمر أيام عديدة قبل أن ينسى المصريون نشوة هذا الحدث ودغدغة المشاعر الوطنية المرتبطة به. وبعد أن يبرد الحدث سوف يبدأ الموسم الكروي المحلي، لتعاود الجماهير متابعة أنديتها المحلية، والحديث عنها، والجدل من أجلها.

وما بين مباراة وأخرى يعايش المواطنون الواقع المعاش بهمومه وقضاياه ومشكلاته، وكلما زادت تحديات واقعهم المعيشي كلما زادت حمى متابعتهم لكرة القدم، حيث ينسون أوطانهم الحقيقية ليبحثوا عن أوطان جديدة بين أقدام لاعبي كرة القدم.

كاتب مصري ـ جامعة الإمارات