يبدو أن مسلسل الإساءات الأجنبية التي تتعرض لها المنطقة، بإنسانها وهويتها وثقافتها ومعتقدها، مفتوح وبلا سقف. لا تكاد تمضي فترة وجيزة، خلال السنوات الأخيرة، إلا وينكشف أمر استباحة جديدة تثير الاشمئزاز والغضب معاً. تراكم هذه الممارسات وتواترها ترك الانطباع لدى العرب والمسلمين بأنهم باتوا مستهدفين بسبب هويتهم هذه.

الأمر الذي خلق مناخات من التوتر والاحتقان؛ تفجّرت تظاهرات صاخبة وعنيفة، في الأيام القليلة الماضية، على إثر الكشف عن الرسوم الكرتونية الدنماركية، المسيئة للرسول الكريم عليه الصلاة والسلام.

وجاءت عمليات التعذيب والاعتداءات الوحشية التي مارسها جنود بريطانيون ضد صبية عراقيين، لتوسِّع دائرة الغضب، فالفيلم الذي أذاعته جهة إعلامية بريطانية كشف عن حجم الوحشية والهمجية التي تعتمل في عقول وصدور هؤلاء الجنود ضد العراقيين.

حلقة جديدة في هذا المسلسل، ظهرت أول من أمس، الموضوع: سجن أبوغريب، مرة أخرى؛ وفصل جديد من فصول التفظيع والانتهاكات المشينة بحق مساجين عراقيين. محطة تلفزة أسترالية بثت شريطاً لحفلات تعذيب شهدها ذلك السجن، الذي صار اسمه مرتبطاً بالفظائع والأهوال.

الصور التي تُنشر لأول مرة، تظهر جنوداً أميركيين يتفننون ويتلذذون في الانتقام من العراقيين. وهذه المرة بطرق وأساليب أكثر دموية وعنفاً. أحدهم بدا مذبوحاً من حلقه، وآخر أصيب بجروح غائرة في رأسه. وثالث بدت ذراعه محترقة وبكثير من التبشيع بها.

وتزامن ذلك مع شهادة عسكري أميركي، أمام إحدى لجان مجلس النواب الأميركي، قبل يومين، جاء فيها أن الجنود الأميركيين لجأوا مراراً إلى استخدام أطفال عراقيين وتعذيبهم أمام آبائهم، في معتقل أبوغريب، لحمل هؤلاء على الإدلاء بمعلومات وإفادات تساعد الاحتلال. وأضاف ان هذا الأسلوب كان «شائعاً» كوسيلة من وسائل انتزاع المُراد من المساجين. وبذلك، عادت الذاكرة مرة أخرى إلى أبوغريب ورشّت، من جديد، الملح على الجروح القديمة.

وما أضاف من حدة الرفض لهذا الجديد القبيح ومن درجة النقمة عليه، أنه انكشف في الوقت الذي ما زالت فيه المشاعر ملتهبة جرّاء الرسوم الكاريكاتيرية التي نشرتها الصحيفة الدنماركية.

وكانت قد سبقتها إهانات من النوع نفسه، لكن شفهية، على لسان شخصيات أميركية معروفة ـ واحد عسكري وآخر رجل دين ـ صحيح أن الإدارة الأميركية سارعت وتنصّلت وأدانت مثل هذه الإساءات، لكن ذلك جاء متأخراً. وفي الوقت ذاته كانت القصص والروايات تتسرب من معتقل غوانتانامو عن سوء معاملة الأسرى والإهانات التي تعرّضوا لها، ومنها كان ما يمس مشاعرهم الإيمانية.

وما زاد الطين بلّة في مسلسل الإساءات هو الانحياز الأوروبي الأعمى إلى الدنمارك ضد العرب والمسلمين؛ فبدلاً من مطالبة الدنمارك بالاعتذار، أعلن البرلمان الأوروبي أمس انحيازه ومساندته للدنمارك تحت مبررات ساذجة وغير مقبولة إسلامياً، مما قد يوسِّع دائرة الغضب العربي والإسلامي ضد أوروبا مجتمعة.

السؤال الذي يدعو إلى الخشية: هل كان مجرّد مصادفة أن تتوالى كل هذه الحلقات؟ الإجابة مرهونة بمدى الرغبة في التصحيح والاستدراك والتي أوحت بها بعض المبادرات الأوروبية، التي ما زالت جارية لإعادة الأمور إلى نصابها. كما انها مرهونة أساساً بمدى القدرة العربية على مواجهة هذا الانفلات ووضع حدٍّ لمسلسل هذه الاستباحات المتصاعدة