الآن، وبعد استدارة الزمن لمدى عام من حادثة اغتيال الحريري وتداعياتها المتصلة والمتعاظمة، لم يتبق من السيادة الوطنية للبنان سوى عنصرين: رئيس الجمهورية العماد لحود كرمز و«حزب الله» كتجسيد ملموس لهذا الرمز.
حكومة السنيورة هي أحدث واجهة للسلطة التنفيذية اللبنانية لكنها تبقى مجرد واجهة. فعملية صنع القرار السلطوي اليومي باتت لدى «ترويكا» مشكلة من رئيس لجنة التحقيق الدولية والموساد الاسرائيلي و«الإف بي آي» «مكتب التحقيقات الدولي» الأميركي. وتستطيع ان تضيف ان قيادة الأوركسترا صارت لدى وزارة الخارجية في واشنطن.
بعد نحو عشرة شهور من عمليات التحري في مقتل رفيق الحريري دون التوصل الى نتيجة نهائية يمكن القول ان لجنة التحقيق الدولية أنجزت مهمتها السياسية كآلية استخدمت من أجل تصفية الوجود السوري في لبنان. وبعد ذلك تفرغت اللجنة لمهمة سياسية أخرى تتمثل في المشاركة في تسيير جهاز الدولة اللبنانية باسم «مواصلة التحريات».
في مرحلة مبكرة أمرت اللجنة باعتقال رؤساء الأجهزة الأمنية الذين صنفوا كموالين لسوريا. وربما يكونون كذلك أو لا يكونون.. المهم ان الشواغر ملئت بقيادات تمارس أعمالها وفق توجيهات وأوامر خارجية.
مما يدعو الى التساؤل: هل أصبح لبنان أكثر استقلالاً وسيادة بعد خروج القوات السورية؟
يكفي ان حكومة السنيورة ترى ان أولى أولوياتها هي حماية الأمن الإسرائيلي من المقاومة الوطنية اللبنانية. فهذا هو الهدف من وراء السعي الحكومي وقادة «حركة آذار» لتجريد «حزب الله» من السلاح. ويكفي استكمالاً لهذا السياق أن أبرز هؤلاء القادة ـ وليد جنبلاط ـ يتصرف وكأنه الوكيل المعتمد للقوى الخارجية.. فيجهد نفسه في البحث عن خرائط عن موقع مزارع «شبعا» ليبرهن عند نهاية المطاف انه لا خطر أمنياً على لبنان من ناحية الدولة اليهودية.
ويكفي ـ على سياق آخر ـ ان يهرع مساعد وزير الخارجية الأميركية ديفيد وولش ـ وهو بهذه المناسبة يهودي ـ إلى بيروت ليدعو حكومة السنيورة إلى عدم التجاوب مع مبادرة مصرية سعودية للصلح بين لبنان وسوريا.
والآن وبعد انقضاء عام على تداعيات اغتيال الحريري.. هل يبقى المشهد اللبناني على ما آل إليه؟
لا ندري على وجه الدقة. لكن نستطيع ان نقول ان هناك حقيقة واحدة على الأقل قد ثبت وهي ان الشارع اللبناني اكتشف الخدعة الكبرى وراء «انتفاضة الأرز». فالشارع يدرك الآن ان المقصود من شعار تصفية الوجود السوري و«الاستقلال» عن دمشق هو إخضاع لبنان لوصاية أميركية ـ اسرائيلية بالكامل.. وأنه من أجل خدمة هذا الهدف استخدمت لجنة التحقيق الدولية كحصان طروادة.
ولنعد إلى الأذهان ان المحقق الدولي الأول ميليس حرص ان تكون الفرضية الأساسية التي تنطلق منها عملية التحري موجهة ضد سوريا وحدها فقط وليس مثلاً ضد سوريا وإسرائيل معاً.