قدم 47 صحافياً العام الماضي أرواحهم فداء لحرية وحق القارئ في المعرفة والوصول إلى المعلومات الصحيحة لما يجري في الواقع من أحداث، والتصدي لمحاولات تزييف الواقع أو تجميل الوجوه القبيحة لمجرمي الحرب، سواء كانت حرباً معلنة تدوي في ساحاتها الرصاص، أو هادئة تسفك وتمص دماء الضحايا بقفازات حريرية وتحت لافتات خادعة باسم السلام والرخاء.

أرواح هؤلاء الصحافيين لن تذهب سدى، وغيرهم ممن نجهل أسماءهم ولم تسجل في أوراق اللجنة الدولية لحماية حرية الصحافة التي أعلنت تقريرها أمس من مقر نقابة الصحافيين المصريين في القاهرة، تضامنا مع ضحايا «الأربعاء الأسود» من الصحافيين والصحافيات اللائي تعرضن لاعتداءات بشعة من رجال الشرطة المصرية خلال الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، لدرجة انه تم تمزيق ملابس إحداهن وتركها عارية في الشارع بعد اعتدى عليها الشرطيان السريان بملابسهم المدنية كحيلة للتغطية على هويتهم، ولتسهيل الاندساس وسط المتظاهرين، وهي حيلة درجت أجهزة الأمن على اللجوء إليها في مثل هذه الأحوال.

والحاصل أن حرية الصحافة تمر في الوقت الراهن بمرحلة حرجة متخمة بالتحديات، وتتعرض لانتهاكات واعتداءات غير مسبوقة، ليس فقط من جانب صغار الطغاة أو الفاسدين في العالم المتخلف أو النامي أو تأدبا «الثالث» بل تستحوذ القوى الكبرى على حصة الأسد من جرائم انتهاك حرية الصحافة وسفك دماء الصحافيين الأحرار، بعد ان تقصف أقلامهم وتكمم أفواههم أو ان يساقوا في لعبة التزييف وتسويق الأكاذيب.

في هذا السياق لا يمكن لأي مراقب محايد أن ينسى وقائع تلطيخ وتدنيس الصحافة خلال التمهيد للحرب على العراق أو التغطية على جرائم الإرهاب الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني، أو وقائع الإساءة إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وكلها تجري زوراً باسم حرية الصحافة، فعندما يتعلق الأمر بإسرائيل وكهنة الإرهاب ورواده الأوائل، أو البقرة الصهيونية المقدسة(المحرقة أو الهولوكوست) تجد الغرب الاميركي يسارع راضيا للتخلي عن حرية الصحافة، بل ويسوق إلى القضاء والسجون كل من يجرؤ على تخطي الخطوط الحمراء ويعمل عقله ومنهج البحث العلمي للوصول إلى حقيقة هذه الأسطورة التي نسجها اللوبي الصهيوني لإخضاع العالم لمصالح إسرائيل، وجعلها دولة غير قابلة لان يمسها احد.

الخلاصة ان حرية الصحافة لم تعد هما عربياً أو آسيوياً أو إفريقياً بل صار الصحافيون في العالم كله في الهم واحداً، لا فرق بين صحافي يتعرض لاعتداء جلاد صغير اثناء محاولته فضح واقعة فساد مسؤول في منطقة نائية من عالمنا العربي

أو آخر يسعى للوصول إلى حقيقة تزوير الرئيس الاميركي أو رئيس الوزراء البريطاني لأدلة الحرب على العراق، أو تعذيب السجناء والأسرى في معتقل « غوانتانامو» الأميركي.

الأدهى ان بعض الصحافيين العرب وللأسف، يغالطون الحقيقة ويدلسون على قرائهم وبدلا من ان يتصدوا لانتهاكات الصحافة الغربية، ينبشون في نفايات التاريخ عن هزليات بعض المنتسبين زوراً للإسلام، الذين يروجون مع فضائيات الإثارة لفتاوى غريبة عن «إرضاع الكبير» أو تحريم تعرى الزوجين في الفراش، ويعتبرون ذلك اشد إساءة من الرسوم الكاريكاتورية، وهو منطق زائف لإبراء الذمة من مهمة قول الحق.