مر عام على جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ومازال هذا الزعيم السياسي والرمز القومي يحتل مرتبة غير مسبوقة في وجدان الشعبين اللبناني والعربي. ففراقه المؤلم وغيابه المفاجئ خلقا فجوة كبيرة سواء على الصعيد السياسي أو الإنساني، الأمر الذي يتأكد كل يوم بأن هذا العملاق الكبير سيبقى دائماً في ذاكرة اللبنانيين والعرب، وأن حضوره سوف يبقى يفرض نفسه رغم أنف الذين قتلوه.

لقد كان الحريري صمام أمان لكل اللبنانيين قادراً على استيعاب أنصاره وخصومه لأنه كان يتحلى بكاريزما استثنائية نادراً ما نشهدها في رجال السياسة اللبنانيين أو غير اللبنانيين. كما أنه كان قادراً على اجتراح العجائب لحل المشاكل الاقتصادية والمالية والسياسية بفعل علاقاته العربية والدولية الاستثنائية، والتي كان من نتائجها على سبيل المثال لا الحصر اتفاق نيسان العام 1996 الذي شرع المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي وأوقف العدوان.

ومثلما كان في حياته شامخاً وقوياً وشجاعاَ وجامعاً كان الحريري كذلك بعد غيابه عندما التف معظم الشعب اللبناني وقواه السياسية والاجتماعية رافضين ومنددين ضد الجريمة النكراء التي نالت منه، وأصبح يوم فراقه يوماً مفصلياَ هاماً في تاريخ لبنان الحديث. فقد تسارعت الأحداث واضطرت سوريا لسحب كامل قواتها العسكرية والأمنية من لبنان وشكلت لجنة دولية للتحقيق في جريمة الاغتيال وعاد العماد ميشيل عون إلى لبنان من منفاه وخرج سمير جعجع من سجنه وشهد لبنان انتخابات برلمانية حرة غيرت الخارطة السياسية اللبنانية وأصبح هناك فريقان أساسيان هما «قوى 8 آذار» و«قوى 14 آذار».

وهذه كانت تطورات إيجابية نظر إليها على أنها رياح التغيير التي طالما انتظرها اللبنانيون وعملوا على تحقيقها. ولكن الأحداث فيما بعد بدأت تأخذ منحى مغايراً بل وخطيراً على أمن واستقرار لبنان والمنطقة بأسرها لاسيما تلك التي تبنت مشروعاً يصنف المقاومة اللبنانية على أنها ميليشيا خاضعة للقرار الأممي 1559 الذي يطالب بمصادرة جميع أسلحتها وأسلحة الميليشيات الأخرى، إشارة إلى الفصائل الفلسطينية المختلفة.

ففي البيان الأخير لـ «قوى 14 آذار» على سبيل المثال تضمن هجوماً على حزب الله المتمسك بحق لبنان في المقاومة وأشار بقوة إلى أن سلاح «حزب الله» فقد الإجماع حوله وبات قضية خلافية بين اللبنانيين. وهذه الإشارة تعكس حقيقة المناخات اللبنانية حيال هذا السلاح. كما اعتبرت «قوى 14 آذار» أن معركة الحرية والاستقلال لم تنجز بعد لأن «النظام السوري»، وعبر بعض اللبنانيين وفي مقدمهم «رئيس الجمهورية اميل لحود» الممدد له خلافاً للدستور، لم يسلم بعد أن لبنان دولة سيدة حرة ومستقلة ولم يظهر بعد أي استعداد للتعامل الندي مع لبنان.

وأكدت التصميم على إزالة العوائق التي تعترض آلة الحكم الديمقراطي في البلاد عبر تنفيذ البند الأول من القرار الدولي 1559 وانتخاب رئيس جديد للجمهورية. ودعا البيان الحكومة اللبنانية مجدداً إلى «رفع شكوى عاجلة إلى مجلس الأمن حول ما وصفوه بمواصلة النظام السوري اعتداءاته وتدخلاته ضد لبنان خلافاً لأبسط قواعد النظام الدولي».

في الوقت نفسه، صعد النائب وليد جنبلاط رئيس اللقاء الديمقراطي من هجومه على حزب الله تارة ناعتاً الحزب بأنه مليشيا وأن عليه تسليم أسلحته، وتارة أخرى الادعاء بأن مزارع شبعا ليست لبنانية.

وقد قدم جنبلاط خارطة تابعة للجيش اللبناني موجودة منذ العام 1962 تقول بأن مزارع شبعا هي خارج الأراضي اللبنانية، وأن خارطة جديدة وضعت في العام 2001 وتسلمها هو من المدير العام السابق للأمن العام اللواء جميل السيد تظهر ضم المزارع إلى الحدود اللبنانية. وهنا نتساءل: لمصلحة من تعمل هذه القوى وأين تريد أن تصل بلبنان وشعب لبنان من خلال رشق هذه الاتهامات على المقاومة وأنصار المقاومة؟ ألم يكن الرئيس الشهيد رفيق الحريري داعماً وسنداً قوياً للمقاومة اللبنانية؟ ألم يكن الحريري قومياً عربياً يأبى بنفسه أن يتحول إلى دمية رخيصة في أيدي الأجنبي الذي لا يعمل إلا لمصلحة إسرائيل؟ هل تحول حدث استشهاد الحريري إلى انقلاب حقيقي يراد منه أخذ لبنان إلى المجهول؟

لاشك أن الذي يحدث في لبنان هو انقلاب حقيقي على مسار مشرف رسمه الحريري طوال سنوات طويلة دفع في نهايته حياته الغالية.

ففي الوقت الذي عملت المقاومة على دحر الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان بالسلاح والدماء عمل الشهيد الحريري بدون كلل أو ملل على توفير الدعم السياسي والدبلوماسي للمقاومة فكان الوجه الثاني من العملة للمقاومة الباسلة التي توجت في عام 2000 بالنصر ونجحت في تحرير جزءٍ كبير من الأرض اللبنانية العزيزة على قلب الشهيد الحريري وقلوب كل اللبنانيين والعرب. ولو بقي الشهيد الحريري على قيد الحياة لاستمر في دعم المقاومة حتى تحرير مزارع شبعا والأسرى اللبنانيين دونما تردد.

إن المشكلة الأساسية في لبنان بعد عام على استشهاد الحريري يمكن أن تتلخص بالأسباب التالية:

أولاً: فقدان «قوى 14 آذار» منذ وقت طويل لقوة الدفع التي أسهم في بنائها الغضب الشعبي العارم على الجريمة البشعة.

ثانياً: عجز التحقيق الدولي عن الوصول إلى حقيقة الجهات التي ارتكبت جريمة اغتيال الحريري.

ثالثاً: عجز الحكومة عن وقف مسلسل الاغتيالات وترسيخ الأمن.

رابعاً: استمرار الانقسامات الحادة بين الفرقاء اللبنانيين، وتسييس جريمة الاغتيال لصالح طرف على حساب طرف آخر.

خامساً: استخدام الإعلام المسيس لضمان استمرار الاستقطابات السياسية والحزبية على حساب المصلحة العليا للوطن والمواطن.

سادساً: تعليق أي فشل سياسي أو اقتصادي أو حزبي على شماعة التدخل الخارجي وخاصة السوري والإيراني في الوقت الذي تستمر إسرائيل بعدوانها المستمر على لبنان.

الحقيقة أنه وبعد مرور عام على استشهاد الحريري اتضح أن لبنان بحاجة ملحة لتدخل من قبل الأطراف العربية القريبة والمقربة من اللبنانيين لمنع التدهور المستمر في جميع مناحي الحياة. وعليه فإن زيارة الرئيس فؤاد السنيورة للسعودية هي في غاية الأهمية لما لهذا البلد الكبير من تأثير إيجابي على الطبقة السياسية اللبنانية بشكل عام وعلى السلطة اللبنانية الحالية بشكل خاص. والذي نرجوه في المستقبل القريب أن نشهد خطاباً سياسياً مغايراً للذي كان سائداً طوال العام الفائت يترجم بمواقف سياسية صادقة من كل الأطراف على الأسس والمبادئ التي أرساها الشهيد الحريري.

كاتب وباحث سياسي

isam997@hotmail.com