الجدل الدائر حالياً بين السلطة وحركة «حماس» بشأن الآليات، التي تخفي صراعاً حول السلطات والإمساك بمفاتيح القرار، أقل ما يقال فيه إنه في غير محله ولا وقته. فهو يزيد من الضعضعة والإرباك، ناهيك عن الاستنزاف، في الساحة الفلسطينية، حتى لا نقول أكثر. ذلك أنه يحصل في لحظة حرجة وخطيرة.

الوضع الفلسطيني يدخل في معادلة جديدة. والوضع الإسرائيلي يستعد للقيام، بعد الانتخابات القريبة، بخطوات وإجراءات حاسمة، من المؤكد أن يكون لها آثار عميقة على مستقبل الأراضي المحتلة. فبدلاً من تجميع القدرات ووضعها في خدمة مشروع تحالفي وطني بالحد الأدنى، لمواجهة الهجمة التصفوية الإسرائيلية المقبلة، الأحادية أو الإلحاقية، ينصرف الوضع الفلسطيني إلى الغرق بأوحال نزاعات سلطوية تزيد من تبعثر قواه وتوسيع الفجوة بينها. الأمر الذي يصب ـ ولو عن غير قصد ـ ليس في إضعاف التصدي الفلسطيني فقط، بل أيضاً في خدمة التوجهات الإسرائيلية. من الأهون بكثير على إسرائيل، مواجهة حالة فلسطينية مشغولة بنزاعاتها، من مواجهة حالة متحالفة ـ على الأقل ـ ضدها.

وكان من الممكن تفهّم مثل هذا الصراع السياسي، لو أنه يقف على أرضية دولة، بدأ العمل في بناء مؤسساتها. لكن الدولة الفلسطينية الموعودة لاتزال حبراً على ورق. في أحسن الحالات لاتزال في طور المخاض. هذا إذا كان المولود المنتظر معافى وقابلاً للحياة، بعد ولادته. لكن لمثل هذه الولادة شروطاً. أبسطها وحدة الفريق المشرف عليها. وبعد أن تتم بخير، يصير عندئذ تبدل الأولويات أمراً طبيعياً ومقبولاً. فمرحلة العبور إلى ضفة إقامة الدولة، لا تزال مزروعة بأصناف التحديات والتعجيزات كافة. إسرائيل بدأت، ومن دون خسارة وقت، بتكريس الشروط والتهديدات بعدم التعامل مع حكومة فلسطينية بقيادة حماس أو بمشاركتها.

واشنطن سارعت هي الأخرى أيضاً، إلى التلويح بقطع المساعدات وعدم التعاون مع أية حكومة فلسطينية جديدة ما لم تقم حماس بالاعتراف بإسرائيل وتتخلى عن سلاحها. كذلك هبّت بعض الجهات الأميركية إلى التهويل بقطع معوناتها إلى السلطة الفلسطينية، إذا بقيت حماس ممتنعة عن التخلي عن «العنف».

في ضوء هذا التصعيد، كان من المفترض والمنطقي أن يهرول الوضع الفلسطيني إلى تأجيل تناقضاته الداخلية ويلتفت إلى تغليب موجبات مواجهة الهجمة، السياسية والاحتلالية، التي تستهدفه. ما حصل كان العكس. على الأقل حتى هذه اللحظة. فتح تضع قائمة من الشروط والمطالب ويغلب عليها اتجاه عدم المشاركة في حكومة ائتلافية. حماس ترد بوضع قائمة من أولوياتها يضعف حبل الثقة بين الطرفين؛ فيذهب كل واحد لتحصين مواقعه.

فتح تعقد المجلس التشريعي القديم الذي تسيطر عليه، وتطلع بقانون يوسع صلاحيات الرئيس عباس في تشكيل المحكمة القضائية العليا؛ التي يكون لها الكلمة الفصل إذا حصل خلاف أو أزمة حكم بين المجلس الجديد، المسيطرة عليه حماس وبين الرئاسة. تسارع حماس إلى اعتبار الخطوة غير دستورية، وبالتالي غير ملزمة لها. يرد الرئيس عباس بالتهديد بالاستقالة إذا لم تعمل الحكومة الآتية لتنفيذ سياساته. والحبل على الجرار.

إسرائيل اعتادت أحزابها على دفن خلافاتها مؤقتاً والدخول بحكومة وحدة وطنية في اللحظات التي توجب ذلك. هل يتعلم خصومها تقليدها، مرة واحدة، على هذا الصعيد، أم أن البوصلة الفلسطينية محكوم عليها بأن تبقى مرتبكة باستمرار؟