لعل اكثر الاجراءات الاسرائيلية خطورة وتأثيرا سلبيا على القضية الفلسطينية هي تلك التي تقوم بها السلطات الاسرائيلية في الظلام بينما الاضواء الاعلامية الباهرة مسلطة على مكان اخر، والعالم يتابع ويركز اهتمامه على ما يجري تحت الاضواء دون ان يخطر ببال احد ان هناك مخططات تنفذ بالفعل في الجانب الاخر، الذي تغطيه الظلال وهذا ما حدث وفقا لصحيفة »هآرتس« الاسرائيلية لمساحة تعادل ثلث مساحة الضفة الغربية، اصبحت الان مفصولة عن محيطها الفلسطيني، ويحظر على الفلسطينيين دخولها.
والتقرير الذي نشرته هذه الصحيفة الاسرائيلية يوضح المراحل التي تم وفقا لها تنفيذ مخطط الفصل بدءا من اندلاع انتفاضة الاقصى . كما ان المخطط بلغ ذروته - كما تقول الصحيفة - عند تسليم الاشراف الامني على مدينة اريحا للسلطة الفلسطينية، وفي كل الاحوال فان الاجراءات كانت تتم بهدوء وبحرص شديد للحيلولة دون لفت الانتباه الى ما تقوم به السلطات الاسرائيلية، ولم تقتصر هذه الاجراءات على اغلاق المنطقة امام المواطنين الفلسطينيين »حتى المسافرين منهم القادمين او المغادرين لمعبر الكرامة« بل امتدت لتشمل سكان المنطقة ومواطنيها حيث بذلت جهود لتفريغ المنطقة ونقل سكانها الى الضفة الغربية وقد ورد ذلك تفصيلا في تقرير للصحيفة المذكورة.
واللافت للنظر وهو ما لاحظه المراقبون بالفعل، هو ان الحكومة الاسرائيلية استغلت عملية اخلاء قطاع غزة من المستوطنين والاهتمام العالمي والاعلامي بهذا الحدث لتكثيف اجراءاتها في المنطقة الممتدة من نهر الاردن شرقا حتى سفوح جبال الضفة الغربية المطلة على الغور، وصولا الى ساحل البحر الميت وحولت هذه المنطقة الى منطقة مغلقة بل ان المسافرين العائدين الى الضفة عن طريق جسر الكرامة لا يسمح لهم باجتياز هذه المنطقة المغلقة، ويجبرون على مواصلة الرحلة عبر مدينة اريحا وان كانوا من سكان المدن والقرى الواقعة شمالي الضفة .
ان هذه الاجراءات احادية الجانب التي اقدمت عليها الحكومة الاسرائيلية دون اي تنسيق او تفاوض مع السلطة الفلسطينية، ليست الا خطوات متقدمة على طريق تنفيذ الحل الانفرادي لابتلاع اكبر مساحة ممكنة من اراضي الضفة الغربية، وفرض التوسع الاحتلالي والاستيطاني بالقوة على الفلسطينيين تحت مختلف الذرائع الواهية - ولا سيما مقولة الامن الاسرائيلي التي لا تخرج عن كونها ورقة توت متهالكة لستر المطامع الاستيطانية الاحتلالية في الاراضي الفلسطينية او ما تبقى منها.
ويتيعن على المجتمع الدولي الذي انشغل بالستار الدخاني المضلل الذي افتعلته السلطات الاسرائيلية للتغطية عن نشاطاتها التوسعية في الغور وسفوح جبال الضفة ان يستيقظ من سباته وان يدرك ابعاد المخططات الاسرائيلية البعيدة كل البعد عن اي توجه نحو السلام الحقيقي والعادل، وان يضغط لوقف هذه المخططات، ودفع اسرائيل للتراجع عن نهج التوسع والاستيطان وللوفاء باستحقاقات العملية السلمية حفاظا على استقرار المنطقة وامنها ومصالح شعوبها في انهاء جولات العنف والدمار التي لا طائل من ورائها.