«ليس على فرنسا أن تتكيف مع الإسلام لكن على الإسلام ان يتكيف مع فرنسا». هكذا ـ وأخيراً ـ توخى زعيم سياسي فرنسي الصراحة التامة ليجهر بما يجيش في صدر المجتمع الفرنسي، والقيمة الحقيقية لتصريح فيليب دوفييه زعيم اليمين المتطرف في فرنسا هي انه ينطبق على المجتمع الغربي العريض في أوروبا والولايات المتحدة.
والمغزى واضح: هناك قيم غربية. وهناك قيم إسلامية تتناقض معها تماما، وعلى الغربيين ان يفرضوا قيمهم على المسلمين، ليس فقط المسلمين المقيمين في بلدان غربية بل أيضا مئات الملايين من المسلمين المقيمين في أوطانهم بطول العالم الإسلامي وعرضه.
إذن هناك مغزى اضافي لا يقل أهمية: انه من وجهة النظر الغربية لا مجال للتعايش بين الثقافة الحضارية الغربية والإسلام. وفي هذا السياق يقول الزعيم اليميني دوفييه ـ وهو يقود حزب «الحركة من أجل فرنسا» ـ انه ينبغي «ان نفرض مفهومنا للحرية وليس مفهوم الآخرين».
ومفهوم الحرية في الغرب بمعناه الاجتماعي الواسع ينبعث ـ بكلمة واحدة ـ من مبدأ الاباحية: Permissiveness، وفرض هذا المبدأ على المجتمعات الإسلامية يعني على سبيل المثال ألا تكون هناك غضاضة في عقد قران داخل مسجد الحي بين اثنين من الشواذ جنسياً أسوة بما يحدث في بعض المؤسسات الكنسية في بلدان الغرب دون أن يكون ذلك مثار عجب.. فضلاً عن غضب!
وامتداداً لهذا السياق يقول دوفييه انه ينبغي أن يربط بناء المساجد في فرنسا بتعهدات من الجاليات المسلمة هناك (أقلية المسلمين في فرنسا نحو خمسة ملايين) بضمان تطبيق المساواة بين الرجال والنساء وحرية تغيير الأديان واحترام الفصل بين الدين والدولة..».
مثل هذا القول له معنى باطن سبق أن صدع به مفكرون غربيون آخرون. فالمعنى المقصود هو الغاء المساواة بالمفهوم القرآني والغاء حكم الردة وتحجيم الدين الإسلامي بالغاء كافة الأحكام التي جاء بها القرآن والسنة النبوية في مجال المعاملات والعلاقات بين الفرد والمجتمع وأحكام الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومواجهة الحاكم الظالم ليكون الإسلام مجرد طقوس فردية انطوائية.
بسبب شيوع هذه الرؤية يبقى المسلمون في المجتمعات الغربية غير مقبولين اجتماعياً بينما يبقى المسلمون في العالم الإسلامي نفسه هدفاً لحرب ثقافية حضارية تستهدف ضرب أسس الدين الإسلامي، فحتى الأجيال الصاعدة من أبناء المسلمين في الغرب الذين ولدوا هناك وارتضوا الاندماج في بوتقة المجتمع الغربي وأصبحوا مواطنين أصلاء ينظر إليهم كأجانب منبوذين.
وفي هذا الصدد يقول عبدالله بدوي رئيس وزراء ماليزيا «إن اضفاء صفة الشر على الإسلام والمسلمين أمر منتشر بلا شك في المجتمع الغربي». إنها حرب ثقافية شاملة دون شك، ليست الأمة الإسلامية الطرف المعتدي فيها. فالإسلام والمسلمون في هذا العصر في حالة دفاع عن الذات.
والمشكلة المحورية هي أن الغرب في سعيه لتدمير المجتمعات الإسلامية ثقافياً من أجل فرض القيم الاباحية التي يفرزها النظام الرأسمالي ـ المبني على مبدأ الانانية المادية ـ لا يدرك ان الإسلام ليس مجرد عبادات طقوسية فردية وإنما هو منظومة ثقافية حضارية أخلاقية تنظم حياة الفرد والجماعة من المهد إلى اللحد.. وما بعد اللحد.