بعد الحرب العالمية الثانية تنادت أمم الأرض المنتصرة منها والمنهزمة الى كلمة سواء نجمت عنها «هيئة الأمم المتحدة»، حيث وضع الميثاق كوفُّْ وهو بمثابة دستور عالمي ينظم علاقة الدول بعضها ببعض ويعتمد مبدأ المساواة، وبذلك تكون البشرية قد بدأت في رؤية طريقها بصورة أوضح بعد ان بدأ سديم المعاناة البشرية في الانقشاع، المعاناة التي جرتها عليها الحروب تارة باسم الدين وتارة باسم المصالح والأسواق الاستهلاكية، وبصرف النظر عما يعتري هذه المنظمة العالمية من وهن هنا وضعف هناك إلا أنها تبقى المنظمة التي يعود لها الفضل في حل الكثير من قضايا العالم عبر منظماتها الفرعية وعلى رأسها «مجلس الأمن»، فهي طالما نجحت في وضع حد للاحتراب بين دولة وأخرى ناهيك بمساهمتها في القضايا ذات الطابع الإنساني.
ومما لا شك فيه ان الميثاق chart لم يبق عديم الحركة كما قد يظن البعض إذ أن إضافات قد طرأت عليه أي على مواده ومازالت، وكلها تصب في صالح الإنسانية. ومهما قيل عن هيئة الأمم المتحدة ومجلس أمنها في وجه الخصوص من أنه ألعوبة في يد الدول الكبرى تسخره حسب إرادتها ووفق مصالحها، غير ان الحقيقة تقول: ان مجلس الأمن لعب ولايزال دوراً كبيراً في تثبيت السلم العالمي والحد من تفاقم الأزمات بين الشعوب والتصدي لها قبل وقوعها في أحيان كثيرة، وهذا لا يعني ان عالم اليوم أصبح خالياً من الأمراض والأوبئة التي تقض مضجعه، كلا، فهذا زعم غير صحيح، فعالم اليوم هو استمرار وامتداد لعالم الأمس البعيد منه والقريب، فالإنسان هو الإنسان بنزعاته ومشاعره بلحمه ودمه، ومن المؤكد ان هذا الإنسان كلما ازداد معرفة وعلماً كان أقدر على استنباط وسائل الإعمار والحياة الأحسن، كذلك يكون أقدر على ابتكار وسائل الخراب والتدمير، ومن هنا يبقى الإنسان هو الإنسان مهما بلغ من تقدم وحضارة ودليلنا على ما نقول هو ما نراه اليوم من تزمت هنا وتطرف هناك، فها هي صحيفة دنماركية تتعرض لشخصية الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم بذريعة حرية التعبير فتثور حفيظة المسلم في عرض العالم وطوله انتصاراً لنبيه، وهذا أمر طبيعي، ولكن الثورة تأخذ منحى آخر ينذر بالكثير من المخاطر، ومن يعلم، فربما آلت الحالة إلى مواجهة بين المسلم والمسيحي فتصح المقولة: «التاريخ يعيد نفسه».
يتساءل العاقل هذا ما الذي أفادت الصحيفة الدنماركية من ذلك الفعل السخيف؟ وما القضية التي كانت تريد معالجتها من خلاله؟ من المؤكد ان العقلاء سيجمعون على رد واحد ألا وهو التطرف والعنصرية، هذان المرضان اللذان لم يستطع الإنسان عبر تاريخه التخلص منهما أو حتى إيجاد العقار المخدر لهما ولو إلى حين، وفي هذا المناخ الملوث بغيوم الشك والريبة من المجهول وما تخبئه الأقدار، ينشط المتطرف والعنصري في كلاً الجانبين، ويطل التزمت بوجهه الدميم المعروف، ويصبح الأمر خارجاً عن إرادة العقل لفرط طغيان العاطفة المقيتة، ففي العالم الإسلامي يتولى الأوصياء على الملة بأمرهم قيادة الجماهير المغيبة عن الحقيقة والمجهلة الى أبد الآبدين، فيتعالى الصراخ وتشب النيران والحرائق، وفي الغرب المسيحي يتمادى الاستعلاء العنصري ويزيد من عنته بحجة حرية التعبير، بل قل: الحرية التي حظيت بها الشعوب الأوروبية بعد كفاح مرير سالت به الدماء غزيرة.
ولكن الأسئلة المحيرة تبقى وهي: أين الحل؟ وكيف؟ ومتى؟ وقبل الجواب لابد من التذكير أن العالم بأسره يشجب مثل هذه الأعمال غير الحضارية مهما كانت الحجة والذريعة، فمن واشنطن الى بكين، ومن المياه المتجمدة في الجنوب الى المياه المتجمدة في الشمال، لايزال العالم يسمع ويقرأ ويرى البيانات المنددة للفعل ولرد الفعل، إذن لماذا لا يتنادى العقلاء في العالم الى كلمة سواء مرة أخرى للاتفاق على ميثاق شرف يمنع التعرض للأديان منعاً باتاً تحت أي ظرف، وأي سبب، أسوة بالدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية أوروبا وأميركا خاصة، والتي اتفقت على منع أي حزب أو فئة متطرفة كالحزب النازي والحركة الفاشية من الوصول الى سدة السلطة.
والدليل الأقرب على ذلك كان في النمسا، فبالأمس القريب نجح الحزب النازي في الانتخابات التشريعية هناك، ولكنه لم يقدر على الاقتراب من سدة الحكم! ولعدم إثارة النزعات العنصرية منعت الدول الأوروبية ومعها الولايات المتحدة الأميركية بموجب ميثاق فيما بينها التعرض للسامية بأي شكل من الأشكال، وللعلم فقط أن العرب أصل الساميين ولغتهم أقوى اللغات السامية وبلادهم مهد الحضارة السامية أيضاً غير ان الحركة الصهيونية لا تعترف بذلك.
وما يهمنا الآن هو ايجاد ذلك الميثاق الذي من شأنه ان يضع حداً للنزعات الدينية التي تخرج بين الحين والآخر، فتعكر المياه الصافية وتلوث العلاقات بين الإنسان وأخيه الإنسان وتضر بمصالح الطرفين، إنه الجواب عن الاسئلة الثلاثة سالفة الذكر فهل من سامع ومجيب؟
كاتب إماراتي