شيء مفيد أن نطلع على ما يفكر به بعض أبناء جلدتنا وما يعتقدونه في هذه الأيام، ولو كان ما يفكرون به وما يعتقدون مما يوجع القلب ويدمي الإحساس، فقد شاهدنا على شاشة التلفاز شخصاً ينتمي إلى هذه الأمة ويزعم أنه حريص على تاريخها وقيمها وتراثها يقول كلاماً فيه من الغلو والجموح ما جعلنا نظن أننا من السذاجة والغفلة بحيث لا يخطر ببالنا يوماً أن في الأمة من يفكر بهذه الطريقة ويجادل بهذا المنطق المريض، فمن الواضح أن تعرف كيف يفكر العدو وكيف يفسر ويحلل بناء على مقدماته التي يعتقد بصحتها لينتهي إلى نتائجه التي يطمئن إلى سلامتها أيضاً، ولا يرى إلى نكرانها من سبيل، لكن أن يخرج من هذه الأمة من يقول كلاماً بهذا الحجم من المغالطة والتنكر لكل منطق، بحيث لا يساوي بين الضحية والجلاد وحسب، بل لا يتطرق أبداً للجلاد القاتل الذي يسفك الدماء وينهب ويسلب ويقتل بل هو سبب المشكلة قانونيا وأخلاقياً وتاريخياً بأية كلمة حتى لو بذكر الاسم على سبيل العتاب والرجاء.
أقول هذا على خلفية ما رأيناه في برنامج «الاتجاه المعاكس» الذي تبثه قناة «الجزيرة» ويقدمه الإعلامي اللامع فيصل القاسم، فقد استضاف على عادته متحدثين متناقضين في كل شيء بمناسبة فوز حماس في الانتخابات الفلسطينية الأخيرة، وكان موضوع الحلقة حول الديمقراطية وحماس وكيل الغرب بمكيالين، ولكن أحد المتحدثين الذي قدم نفسه على أنه كاتب ليبيرالي لم يقف عند حدود الموضوع وانبرى يهاجم عمليات المقاومة ويصف المقاومين بالقتلة والمجرمين إلى طائفة من الأوصاف التي تليق بعصابات الإجرام والمافيا والعصابات وقطاع الطرق، في نبرة تدعي الإنسانية والعدالة والبراءة واحترام حقوق الإنسان واستفظاع سفك الدماء البريئة، ويعيب على المقاومين أنهم لا يواجهون كالرجال النبلاء وإنما يطعنون في الظهر، لا يواجهون سيفاً بسيف ولا بندقية ببندقية.
وكأن الليبرالي العظيم نسي أو تناسى أن الخصمين ليس بينهما أي تكافؤ، وهي خصومة محسومة سلفاً لمن يملك الصواريخ بعيدة المدى وطائرات الإف 16 ومروحيات الأباتشي ولا نقول الرؤوس النووية المئتين وما إلى ذلك من مخزون هائل في الترسانة العسكرية الإسرائيلية، وكأنه غاب عنه المجازر التي ترتكب يومياً بدم بارد يتطاير فيها الشيب والشبان والأطفال شظايا يستصرخون ضمير العالم ولا مجيب. لقد غفل الليبرالي صاحب القلب الرحيم عن كل ما يفعله الطرف القوي المدجج بالسلاح وقد سلم لخصمه بكل ما يريد وتنازل له مرغماً عن معظم الوطن والخصم لا يريد التنازل بل يريد أن يرى كل الفلسطينيين أمواتاً فالعربي الطيب هو العربي الميت، ولم يقل الليبرالي الحكيم ما الذي أعطاه الخصم غير اللاءات المتكررة والبطش والتجويع والإذلال والنهب والقتل وتدنيس المقدس.
ونحن لا ننكر على هذا الرجل أن يدعو إلى نبذ العنف أو اختيار المقاومة السلمية لأنها قد تكون الأجدى في نظر بعض المجتهدين، وهناك من يرى أن عسكرة الانتفاضة قد تكون مضرة بالقضية الفلسطينية، وهناك من يرى ضرورة الابتعاد عن الأهداف المدنية لأسباب مختلفة، ولكن موقفه كان موقف الذي يضع الضحية في موقع الجزار، ولم يكلف نفسه عناء البحث عن الأسباب وجلس في برجه العاجي الإنساني يتأمل ويحلل ويأتي بالحكمة وفصل الخطاب، وأحسن الظن به أنه يهرف بما لا يعرف، بل الأدق إنه يصدر عن موقف خبيث أحسبه مدفوع الثمن سلفاً، لأن جموحه في الحديث عن مخازي الأمة وفضائل الغزاة والمحتلين فاقت كل حد.
والذي يبعث على العجب أن هذا الرجل البارع الحجة احتقر العرب الذين أوصلوا حماس إلى المجلس التشريعي لأنهم ليسوا أهلاً للديمقراطية، فالديمقراطية لم تخلق للرعاع والقطعان، وجاء صوت من مكان قصي ليقول إن العرب كانوا يعيشون في الظلام حتى قيض لهم الاستعمار الذي نقلهم من الظلام إلى النور! وكأن هذا الاستعمار كان النعمة التي شعت نور العلم والتقدم في البلاد والعباد.
وأخلص إلى الخاتمة التي أريد الوصول إليها، وهو موقف قناة الجزيرة من الفكرة وراء هذا الاستقطاب غير المتكافئ الذي يفتقد الدلالة الحقيقية، فالفكرة الرئيسية التي قد تتبادر إلى المشاهد أن ثمة تيارين كبيرين في العالم العربي يصطرعان حول موقف معين، وأن كل تيار تعطيه القناة الفرصة للتعبير عن رأيه، وأن فائدة ترتجى من معرفة الحجج والمنطق وراء كل موقف، ولعل المشاهد يأمل في أن قوة الحجة لدى كل من الطرفين ومنطقها سيؤدي إلى تضييق الفجوة بينهما، ونفاجأ بأن الموقفين يبقيان على حالهما وأن النهاية تنتهي بنا إلى القذف والشتائم والسباب. فليس من المعقول أن يعطى طرف يمثل فئة غير ذات دلالة إحصائية في الأمة هذا الحيز الواسع في المنابر الإعلامية لتنفث سمومها بحجة الرأي والرأي الآخر، فالرأي له احترامه ومكانته وقدسيته، والرأي يجب أن يحتل مكانته التي يستحقها دون أن ينحط مفهومه إلى درك السباب والشتائم ووصف المناضلين والشهداء بالسفاحين والمجرمين القتلة.
إن هذا اللون من البرامج أقرب إلى البرامج الترفيهية من مثل عالم المصارعة أو مصارعة الثيران، والفرق الأساسي أن ليس في هذا الكرنفال من الوجوه والأفكار ما يؤدي إلى الترفيه بقدر ما يصيب المشاهد بالحيرة بل بالتقزز والغثيان. فليس كل صاحب رأي شاذ ومتطرف مؤهلاً لزيارة الملايين في بيوتهم، وإن كان يمثل حفنة شاءت أن تلتحق بقافلة الذين يبيعون كل شيء على موائد الآخرين، ولا يقتنع أحد في هذا العالم العربي الكبير بأن شخصاً يدعي الليبرالية يختار نهجه في شتيمة المؤمنين بالعروبة والسخرية منهم، وإذا كان لابد من أن تبقى مثل هذه البرامج النارية فيجب إعادة الاعتبار إلى الدلالة الإحصائية لأصحاب الآراء والمواقف، احتراماً للمشاهد ووقته، ضناً بهما عن صور تؤذي العقل والضمير.
جامعة الإمارات