بدأت الرؤية التي تحكم المرحلة الجديدة في الوضوح مع التشكيل الوزاري الجديد للحكومة التي تعد السابعة منذ قيام اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة في ديسمبر عام 1971، بموافقة ومباركة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة «حفظه الله» على تشكيل الحكومة الجديدة الذي عرضه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي. وتأتي هذه الوزارة الجديدة لتضيف إلى التجربة الإماراتية إضافة حقيقية على طريق الديمقراطية وتحديث العمل السياسي، ولا شك ان المواطن الإماراتي سوف يدرك أهمية هذه الوزارة باعتبارها خطوة مهمة إلى الأمام.. خطوة إيجابية ونقلة نوعية في الحياة السياسية الإماراتية.
ومن الواضح ان أعضاء الوزارة الجديدة يتميزون بكونهم من الكفاءات، فضلاً عن ان بعضهم من الوزراء الجدد، حيث دخل الحكومة ثمانية وزراء جدد بعضهم من الشباب، مما يدل على إتاحة الفرصة أمام الفكر الجديد والدماء الجديدة.
لكن نرجو أن يتسع هذا لإعطاء الفرصة للشباب في المناصب القيادية بالوزارات والهيئات والمؤسسات الحكومية مثل مناصب الوكلاء والوكلاء المساعدين والمديرين، مع ضرورة تقاعد العديد من المديرين الحاليين الذين لا يتميزون بالكفاءة ولا بالقدرة على مواصلة العطاء. في التشكيل الجديد سيدتان إماراتيتان من خيرة الكوادر النسائية في الدولة، مما يعني زيادة التمثيل النسائي في الحكومة الجديدة، وحصول المرأة على مكانة تليق بدورها في بناء وتطوير المجتمع الإماراتي.
كما تم استحداث ست وزارات جديدة هي: تطوير القطاع الحكومي، الشؤون الاجتماعية، التعليم العالي والبحث العلمي، الدولة لشؤون المجلس الوطني، البيئة والمياه، الثقافة والشباب وتنمية المجتمع. وتم إلغاء ثلاث وزارات هي: المواصلات، الزراعة والثروة السمكية، والإعلام والثقافة. وبعد إلغاء وزارة الإعلام ألحقت «الثقافة» بالوزارة الجديدة «الثقافة والشباب وتنمية المجتمع»، كما تم فصل «التخطيط» عن «الاقتصاد» وفصل «الشؤون الإسلامية والأوقاف» عن «العدل».
وهذا يعني وجود تغيير جوهري في بنية التشكيل الوزاري الجديد، بل تغييراً جوهرياً في تركيب الحكومة الجديدة، لا سيما مع دخول مجموعة من شباب الوطن ذوي الخبرة التكنوقراطية إلى الوزارة. ومن الواضح وجود تجانس كبير بين الوزراء، مما يساعد على مزيد من التفاهم حول طريقة العمل وسيادة روح الفريق الواحد، وهي أمور ضرورية لتطوير الحياة السياسية الإماراتية ورفع معدل النمو الاقتصادي، وزيادة القدرة على مواجهة التحديات التي تواجه دولتنا الاتحادية، لا سيما إذا قام العمل الوزاري على الديناميكية والمرونة وسرعة الأداء والشفافية والالتحام بالشعب.
ونرجو أن يكون المواطن الإماراتي هو محور اهتمام الوزارة، وأن تساعده في الحصول على وظيفة مناسبة، وتقوم بدورها في توظيف خريجي الجامعات من المواطنين، ومساعدتهم في الحصول على سكن ملائم. ولابد من الاهتمام بالشباب ومشكلاتهم وطموحاتهم، فهم أساس أي تقدم. كما نرجو أن تعمل الحكومة الجديدة على تنمية المناطق النائية والمهمشة على الخريطة الإماراتية.
ونتطلع إلى مواصلة استراتيجية تطوير التعليم من خلال خطط مدروسة وبرامج متطورة ومشاريع واقعية تخدم الارتقاء التربوي وتعمل على تخريج الكوادر الوطنية من خلال منظومة تربوية متكاملة تقوم على مناهج عصرية، وأن يكون التطوير نابعاً من الواقع الإماراتي والتعرف على مشكلاته واحتياجاته، وألا يكون التطوير في المؤتمرات والقاعات المغلقة وعلى الورق فقط، بل يتحول التطوير من فكر ونظر إلى تطبيق وعمل. ولا شك أن ظهور وزارة جديدة لشؤون المجلس الوطني يعكس بشدة نية تفعيل وتنشيط دور المجلس الوطني الاتحادي حتى يقوم بالدور المنوط به في الرقابة والتشريع والتفاعل الإيجابي في التفاعل مع الحكومة.
ولابد من النظر في البناء الوظيفي الاتحادي ومشكلة الرواتب ومشكلات الديون التي تكبل بعض المواطنين من صغار الموظفين، كما ان هناك مشكلات عالقة أمام الوزارة الجديدة من أهمها مشكلة تجنيس طائفة «البدون»، ومشكلة أبناء وبنات المواطنات الإماراتيات المتزوجات من «بدون» أو من غير مواطني دولة الإمارات.
ومن أهم التحديات أمام الوزارة الجديدة تطوير القطاع الحكومي، والقيام بنقلة نوعية في الأداء الحكومي الاتحادي، من خلال محاربة الفساد، مع إعطاء مزيد من المرونة والصلاحية للوزارات والمؤسسات الاتحادية لتسيير شؤونها.
وليس العبء كله يقع على الوزارة، بل على كل طبقات ومؤسسات المجتمع، فلقد آن الأوان لمؤسساتنا السياسية والدينية والثقافية والإعلامية والتعليمية ومنظمات المجتمع المدني أن تتحمل مسؤولياتها في غرس قيم العمل داخل المجتمع.
إن الوزارة الجديدة لن تنجح بدون أن يرافق جهودها عمل من المؤسسات الإعلامية بالدولة على مختلف الأصعدة التوعوية والتثقيفية، ونحن ندعو المؤسسات الإعلامية لوضع استراتيجية إعلامية متكاملة لتحقيق الوعي الديمقراطي ونشر قيم الحرية وروح العمل والإنتاج.
وعلى وسائل الإعلام أن تتعرض لكل قضايا الوطن ومشاركة الحكومة في اقتراح الأفكار البديلة بحل هذه القضايا على أساس الحرية المسؤولة.
وفي ظني أن الشباب لهم دور كبير في إنجاح برامج ومشروعات الحكومة الجديدة، لكن على الحكومة أن تشعر هؤلاء الشباب أنها تعمل لصالحهم ولحل مشاكلهم وتحقيق طموحاتهم، كما أن عليها أن تتيح لهم الفرصة كاملة للمشاركة في الشؤون الاجتماعية والاقتصادية والعلمية، بل والمشاركة السياسية، فكثير من شباب الإمارات اليوم مواطنون أكفاء لديهم العلم والخبرة الواسعة.
وعلى الحكومة الجديدة أن تهتم بالمجالات الخدمية التي تعود على المواطن العادي بالنفع المباشر، ولا شك أن الخدمات الجيدة تشعر المواطن بأن الحكومة تعمل بجد واضح في سبيل هذا الوطن. فلابد أن تساير القطاعات الخدمية التطورات المتلاحقة والتحولات المجتمعية. ولابد أن تقوم الحكومة الجديدة بدورها المنتظر بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي في تصحيح المسارات التنموية والسياسية والاجتماعية والأمنية بعد أن أصبحت الإمارات تعاني من مشاكل اجتماعية متعددة وتحديات متنوعة.
وفي اعتقادنا ان طبيعة التركيبة الوزارية الجديدة قادرة على مواجهة هذه التحديات، فهذه الوزارة الجديدة علامة خير، لكن لابد وأن تتبعها خطوات عديدة أخرى، لمواجهة الأعباء والتحديات ولا يأتي هذا إلا بالعمل الجاد، وأن يكون الوزراء الجدد ـ وهم أهل لذلك ـ على قدر المسؤولية وهم يحملون لواء العمل الوزاري، لمواكبة مبادرة التحديث السياسي للدولة، بارك الله في خطواتكم وبالتوفيق والعمل الاتحادي الجاد والمخلص.. والله من وراء القصد.
منسق أكاديمي ـ جامعة الإمارات