ما الذي يمكن أن يُكتب أو يُقال بعد كل هذا الذي كُتب وقِيل في قضية الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة للرسول «صلى الله عليه وسلم» ؟ ربما لم يعد ثمة ما يمكن أن يُضاف بعد أن أدلى الجميع بدلائهم ولم يعد في البئر ماء لغارف، لكن تداعيات الحدث مازالت قائمة، وهي مرشحة لمزيد من ردود الفعل والتفاعل.

وسواء انحزنا إلى حزب المقاطعة والتظاهر والحرق أم ملنا إلى ما يمكن أن نطلق عليه صوت العقل والحكمة، فالواقع يقول إننا نثبت يوما بعد يوم أننا أسوأ محامين في أعدل قضية ونحن نحقق لمن يريد أن يشوه صورتنا ويدمغها بالعنف والغوغائية أكثر مما يريده أو يحلم به، مكرسين الصورة النمطية التي يشيعها المعسكر الآخر عنا في محاولتنا تصحيح المفاهيم الخاطئة التي نقول إنها من صنع أعدائنا، على اتساع رقعة العداء التي نوسِّعها نحن بأيدينا كل يوم، ونحولها إلى صدام حضارات كما أراد تصويرها مفكروهم أو شاءوا أن يفرضوها علينا وعليهم، حتى لو حاول البعض إلباسها أردية أخرى.

في حديثه الأخير الذي أدلى به لقناة «الحرة» قبل أن تطفو على السطح وتتفاعل قضية الرسوم الكاريكاتيرية قال المفكر الأميركي «فرانسيس فوكوياما» إنه يرى أن من الخطأ الجسيم الاعتقاد أن النزاعات الراهنة في العالم هي صراعات حضارية أو صراعات بين المعتقدات الدينية لإيمانه بأن من الممكن تفسير أو تأويل الدين من خلال اعتبارات سياسية متباينة إلى حد كبير. وهذا ما يجعله يلاحظ أنه صدام بين أيديولوجيات، فهو يعتقد مثلا أن الاتجاه الإسلامي أو التيار الجهادي العنيف يتبنى مجموعة أفكار غالبيتها معاصرة أو أنها خلاصة لطريقة معاصرة تبنتها بعض المنظمات للتفكير بشأن العالم، لكن من الممكن تفسير الإسلام كدين بطرق مختلفة جدا.

وإذا ما عدنا إلى الماضي حوالي خمسة وسبعين عاما ـ أثناء بداية الفاشية في أوروبا مثلا ـ سنجد أن هناك نظاما متسامحا أكثر في مدن معينة - كاسطنبول التي كانت قلب العالم الإسلامي - أكثر من ألمانيا أو بلجيكا أو أي منطقة في ما يعرف بأوروبا الليبرالية. ولذلك فهو يعتقد أن حقيقة الأمر ليست صداما ثقافيا بأي معنى، بل مجرد اقتتال أيديولوجي.

لا ندري إن كان هذا الطرح الجديد الذي يقدمه صاحب نظرية «نهاية التاريخ» يمثل تراجعا عن نظريته أم أنه تصحيح لما تصوره «فوكوياما» بعد سقوط جدار برلين عام 1989 عندما قال بانتصار الليبرالية الرأسمالية الديمقراطية في ما اعتبره نقطة النهاية للتطور الإيديولوجي للبشرية وتعميم الليبرالية الديمقراطية الغربية على مستوى العالم كشكل نهائي للحكومة الإنسانية.

غير مستبعِدٍ أن تحدث بعض الصراعات في أماكن من العالم الثالث، ولكن الصراع الكبير قد انتهى، ليس في أوروبا فقط، بل في العالم غير الأوروبي بالتحديد حيث حدثت التغيرات الكبرى، خاصة في الصين والاتحاد السوفييتي. لقد انتهت حرب الأفكار،وقد يظل المؤمنون بالماركسية اللينينية موجودين في أماكن مثل ماناجوا، بيونغ يانغ، كمبريدج، ماساشوسيتس، لكن الديمقراطية الليبرالية الشاملة قد انتصرت، وسوف يكون المستقبل مكرسا ليس من أجل الصراعات الكبرى الحامية حول الأفكار، بل من أجل حل المشكلات الاقتصادية والفنية المعاشة، معلقا: «إن ذلك سيكون مضجرا».

يعود «فوكوياما» اليوم مدافعا عن نظريته فيعتقد أنه ينبغي فهم فكرة نهاية التاريخ فهما صحيحا، فهي ليست نهاية الأحداث بسبب أننا نشهد بطبيعة الحال الكثير من الأمور التي تجري أمام أعيننا في الوقت الراهن، ولذلك فهي في حقيقة الأمر قصة تيار التمسك بروح العصر أو «العصرنة» بسبب مفهوم التاريخ الذي استخدمه، أي أنها عملية ضخمة تمخضت عن تلاحق قرون عدة لدى مجتمعات بدأت من ممارسة الصيد إلى الزراعة ثم المرحلة الصناعية وبعدها مرحلة ما بعد التصنيع.

وعندما يكون السؤال هو عما إذا كان الإسلام يلعب اليوم دورا دينيا أم عقائديا يقول «فوكوياما» إنه من الصعب إلى حدٍّ ما التمييز بين الإسلام كدين والإسلام كمجموعة أفكار، فهما مرتبطان ببعضهما البعض، وهناك إمكانية لتسخير أفكار دينية لخدمة غايات سياسية. هنا فقط يمكن أن يلتقي «فوكوياما» مع مواطنه «صموئيل هنتنجتون» صاحب نظرية «صدام الحضارات» الذي يرى أن طرح «نهاية التاريخ» الذي قدمه «فوكوياما» إنما يقوم على افتراض أن انتهاء الحرب الباردة يعني انتهاء الصراع الكبير في السياسة الكونية وظهور عالم منسجم نسبيا، ولكنه في الواقع أو بالتجربة كان نتيجة لحظة الشعور بالبهجة في نهاية الحرب الباردة، فقد ولّدت تلك اللحظة وهماً بالتوافق والانسجام سرعان ما تكشف أنه وهم بالفعل.

أخطر ما يعيد نبشه أو التذكير به هذا الذي نراه اليوم من أفعال وردود أفعال في قضية الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة للرسول «صلى الله عليه وسلم» هو ما تحدث عنه «هنتنجتون» في الفصل التاسع من كتابه «صدام الحضارات» عندما تحدث عن الإسلام والغرب قائلا:

«يقول البعض بمن فيهم الرئيس كلينتون ـ الذي ألف الكتاب إبّان فترة رئاسته ـ إن الغرب ليس بينه وبين الإسلام أي مشكلة، وإنما المشكلات موجودة فقط مع بعض المتطرفين والإسلاميين. أربعة عشر قرنا من التاريخ تقول عكس ذلك.

العلاقات بين الإسلام والمسيحية - سواء الأرثوذكسية أو الغربية - كانت عاصفة غالبا، كلاهما كان «الآخر» بالنسبة لـ «الآخر». المشكلة المهمة بالنسبة للغرب ليست الأصولية الإسلامية بل الإسلام، فهو حضارة مختلفة، شعبها مقتنع بتفوق ثقافته، وهاجسه ضآلة قوته. المشكلة المهمة بالنسبة للإسلام ليست المخابرات المركزية الأميركية ولا وزارة الدفاع، المشكلة هي الغرب: حضارة مختلفة، شعبها مقتنع بعالمية ثقافته، ويعتقد أن قوته المتفوقة تفرض عليه التزاما بنشر هذه الثقافة في العالم. هذه هي المكونات الأساسية التي تغذي الصراع بين الإسلام والغرب».

في الفصل الأخير من «صدام الحضارات» يتحدث «هنتنجتون» عن مستقبل الحضارات فيقول إن حربا كونية تشارك فيها دول المركز في حضارات العالم الرئيسية أمر بعيد الاحتمال، ولكنه ليس مستحيلا. وحرب كهذه قد تنشأ نتيجة تصعيد حرب من حروب خطوط التقسيم بين جماعات من حضارات مختلفة، وتضم على الأرجح دولا إسلامية في جانب، ودولا غير إسلامية في جانب آخر. كما أن التصعيد يصبح أكثر احتمالا إذا كانت دول المركز الإسلامية الطامحة تتنافس لتقديم المساعدة لشركائها في الدين، وتصبح أقل احتمالا بسبب المصالح التي قد تكون لدول القرابة من الدرجة الثانية أو الثالثة في عدم التورط في الحرب.

إلى أي مدى سنسمح لنيران فتنة كهذه أن تمتد لتحرق الأخضر واليابس على ضفتي نهر أطراف هذه القضية؟

هذا هو السؤال المطروح الآن على كل طرف. فمازال في الغرب ثمة أصوات عاقلة تدرك أبعاد المشكلة وتقدّر تبعاتها الخطيرة وتدعو إلى إطفاء نيران الفتنة كما فعل الرئيس الأميركي السابق «بيل كلينتون» الذي انتقد بشدة الرسوم الكاريكاتيرية متسائلا عما إذا كان العالم يتجه إلى استبدال معاداة الإسلام بمعاداة السامية، مُعترفاً بأنه ما زال هناك جهل في بقية العالم للصورة المشرقة للشرق الأوسط بما في ذلك الديانة الإسلامية.

وفي الغرب أيضا أصوات تدعو إلى صب المزيد من الزيت على النار التي تزداد كل يوم اشتعالا، كما فعلت النائبة «المسلمة السابقة من أصول صومالية» في البرلمان الهولندي «أيان حرسي» التي دعت الأوروبيين إلى الصمود في وجه الأزمة التي سبَّبتها الرسوم الكاريكاتيرية قائلة: «إن انتقاد الإسلام أمر ضروري وملح» بعد أن أثنت على رئيس الوزراء الدنماركي لرفضه مطالب «الأنظمة المستبدة» بأن يحد من حرية الصحافة. ولا يختلف الحال كثيرا عندنا نحن المسلمين أيضا بين الداعين إلى الإنصات لصوت العقل والمغلّبين لأصوات العاطفة غير المنضبطة.

فهل يتغلب صوت العقل والحكمة أم تتحقق نبوءات «هنتنجتون» وتعلو أصوات «حرسي» وأمثالها، تلك التي يبدو أنها لم تعد مجرد نبوءات ودعوات في زمن الإساءة للأنبياء والرسالات؟

كاتب إماراتي

aliobaid2000@hotmail.com