لم نضطر إلى الانتظار طويلاً لنرى انفضاح خدعة «حرية التعبير» التي ظل يرددها قادة الغرب لتبرير الإساءة إلى نبي الإسلام في وسائل الإعلام الأوروبية. فالصحيفة الدنماركية التي ابتدرت مسلسل الإساءة الإعلامية الأوروبية بنشر رسوم كاريكاتيرية تسخر من الرسول محمد صلى الله عليه وسلم لم ترفض فقط نشر رسوم انتقادية بشأن «المحرقة» النازية لليهود بل إن مدير التحرير الذي تقدم بهذا الاقتراح أرسل في إجازة قسرية مفتوحة!

على هذا النحو تبدو «حرية التعبير» في الغرب وكأنها تتشابه جوهرياً مع مشروع بوش «لنشر» الديمقراطية في العالم العربي. وكما أن ديمقراطية بوش مشروطة بألا تفرز انتخابات حرة فوز خصوم الولايات المتحدة فإن مبدأ «حرية التعبير» إذ يبيح التهجم على الإسلام والمسلمين فإنه مشروط بعدم التعرض لليهودية واليهود.

هذه الازدواجية القبيحة تسببت في فضحها صحيفة إيرانية عرضت تحدياً إلى الغرب بإعلان مسابقة لرسوم كاريكاتيرية بشأن «المحرقة» وكأنها كانت تدرك النتيجة سلفاً. فعندما أعلن رئيس تحرير القسم الثقافي في الصحيفة الدنماركية المشار إليها اعتزامه التجاوب مع المسابقة الإيرانية بنشر رسوم تنتقد قصة «المحرقة» اليهودية اجتمعت فوراً هيئة رؤساء التحرير بالصحيفة وقررت «إعطاءه» إجازة قسرية.

ولنطرح السؤال الأكبر:

ـ هل هناك فجوة ثقافية حضارية بين الغرب والأمة الإسلامية؟

ـ نعم

ـ وهل بقاء هذه الفجوة يتطلب تعايشاً سلمياً بين الطرفين؟

ـ نعم

ـ وهل الغرب مستعد لهذه المعايشة؟

ـ لا

الرسوم المسيئة إلى رسول الإسلام ليست في الحقيقة سوى انعكاس لتراكمات عبر قرون متصلة من حالة عدوانية غربية ضد الإسلام والمسلمين يسعى الغرب من خلالها لفرض معاييره الثقافية والسلوكية على شعوب الأمة الإسلامية عن طريق تحجيم الإسلام ليس فقط كعقيدة دينية وإنما أيضاً كمنظومة قيم وأسلوب حياة.

هذا هو جوهر القضية في بعدها الأوسع والأعمق، ولا تحتاج كمسلم ان تقيم في مجتمع غربي لتدرك الحرب الخفية المتصلة عبر القرون ضد الإسلام. فالشخص الأوروبي أو الأميركي العادي لا يعرف الفرق بين القرآن وقصص ألف ليلة وليلة، وهذا الجهل لم يأت من فراغ وإنما عبر جميع وسائل التعليم في المدرسة إلى الجامعة والتثقيف والإعلام.. تستوي في ذلك كتب التاريخ مع أفلام السينما، والروايات المثيرة مع البرامج التلفزيونية الوثائقية أو الإخبارية.

الحروب الصليبية لم تكن سوى افتتاحية لما جاء بعدها من حملات استعمارية وضعت في مقدمتها فرق تبشير مسيحي يتبارى قادتها وعناصرها في كيفية نقل صور تشويهية عن الإسلام، ومن هذه الصور المتأصلة في الذهنيات الشعبية في بلدان الغرب حتى الآن أن الرجال المسلمين متوحشون لا هاجس لهم سوى الشبق الجنسي وتعدد الزوجات وان المرأة المسلمة على مر العصور ضحية عدم مساواة.

هكذا وبهذا المستوى من الضحالة المقصودة تمارس دور النشر ومؤسسات الإعلام الالكتروني والمطبوع بالإضافة إلى المؤسسات الأكاديمية إثارة الروح العدوانية الشعبية ضد الإسلام والمسلمين دون فتور أو كلل.