في صيف العام الماضي نشرت في «البيان» مقالاً بعنوان «أبو مازن «يفتح ملف الفساد» واشرت فيه الى ان من شأن ذلك ان يتحول الى محاكمة للعصر الأبوي للرئيس الراحل ياسر عرفات، الذي كان يغض الطرف عن تجاوزات هؤلاء لأمر في نفسه. وها هي الملفات تفتح تباعاً وستطال الكثيرين من الكبار بعضهم استقر في الخارج وبعضهم في الداخل. ولعل ذكري في حينه اسماء بعض هؤلاء أثارهم ما دعاهم الى شن حملة عبر الانترنت والفاكس للنيل من سمعتي الشخصية، اضافة الى المقال الذي نشرته «البيان» بعنوان «أين الشنطة» في يونيو من العام الماضي حول اختفاء حقيبة كانت مع الرئيس الراحل عرفات اثناء نقله الى باريس للعلاج.
كانت فلسفة ياسر عرفات منذ القدم هي ان الثروة تعني السلطة ومن يتحكم بالمال يتحكم بالسلطة. ولهذا استاء كثيرا عندما اقام السلطة الفلسطينية ولم يجد مصدرا ماليا خاصا به، فالدول المانحة كانت تدفع رواتب قوات الشرطة مباشرة وتصرف على المشاريع مباشرة او عبر وكالات دولية او وكالة غوث اللاجئين. وظل يبحث عن مصدر للدخل خاص به ونجح بعض مساعديه مثل خالد سلام في اقناع الاسرائيليين بضرورة تحويل اموال الضرائب المستحقة للسلطة وريع الوقود الى حسابات خاصة.
وكان شريك سلام في هذا الامر يوسي غينوسار رئيس الموساد السابق الذي عمل عمليا كمستشار للسلطة الفلسطينية ووقعت كل الاحتكارات لاحقا بيد خالد سلام ومساعديه من الاسمنت الى المعابر الى التبغ الى تجارة الرمل والحصا.. وصار لعرفات دخل اضافي يصرف منه. ولم يكن عرفات يدقق مع هؤلاء، بل كان هدفه ان يطلب تحويل اموال من فلان فيحولها فورا. وفي كثير من الاحيان كان يطلب المال شفويا أو هاتفيا دون اوراق موقعة وهذا اتاح للكثيرين اختلاس اموال وتهريب وقود والحصول على اموال الضريبة والمقاصة من اسرائيل.
فالنائب العام احمد المغني يختلف عن سابقيه حيث قرر ان يفتح الملفات ويجري تحقيقات مطولة لمعرفة مصير مئات الملايين من الدولارات اغلبها من ملف هيئة البترول التي تشعب التحقيق فيها الى 30 ملفا ستطال العشرات من كبار المسؤولين الحكوميين وضباط الامن ورجال الاعمال. ولعلني اشرت في مقال العام الماضي حول تحالف محدثي السلطة ومحدثي النعمة وهذا التحالف هو الذي اقتنص مئات الملايين من الاموال، ونشر الفساد اينما حل.. وحول المشروع الوطني الفلسطيني الى مجرد مشروع تجاري استثماري، فأغلب المتهمين لديهم جوازات سفر اجنبية أو هويات اسرائيلية والكثير منهم في الخارج.
ولهذا بات الرئيس محمود عباس في موقع حرج وربما خطير اذ ان حياته ربما تكون في خطر، فهو قال لي بالحرف الواحد يكفي ان يأتي مواطن ويتهم اي شخص بالفساد ويوقع على ذلك حتى أباشر التحقيق فان صدق له اجر الابلاغ وان كذب فسيعاقب، ومنبع الخوف على حياة ابو مازن هو ان حركة فتح تعيش حالة مضطربة وقد تستغل مافيا الفساد ذلك سياسيا وتحاول النيل من الرئيس الفلسطيني تحت غطاء سياسي. ربما لم يفكر ابو مازن وهو يفتح ملفا واحدا كهيئة البترول ان يتشعب بهذا القدر..
فالملف فتح عمليا ابان حياة الرئيس الراحل عرفات بعد ازاحة رئيس هيئة البترول حربي صرصور من منصبه، كما ان المجلس التشريعي فتح اغلب الملفات التي بيد النائب العام المغني الذي يؤكد انه لن يتراجع عن الاستمرار في التحقيق مهما كانت النتائج ولهذا بات له موكب حراسة كبير لان حياته هو الآخر في خطر. وقد يمتد التحقيق ايضا الى صندوق الاستثمار الفلسطيني الذي وجده ابو مازن خاويا واصوله مرهونة بعد بيع صفقة اسهم الاتصالات الجزائرية الى «اوراسكوم» المصرية المقربة من خالد سلام وهي آخر صفقة عقدها سلام قبل تركه ادارة الصندوق واحتج عليها اعضاء في الصندوق واستقالوا من مجلس ادارته.
وكان ابو مازن اوقف الصفقة مؤقتا لكنه عاد ووافق عليها ولم يفعل «بابا مازن» مثلما فعل الرئيس النيجيري بابا سانغو الذي اوقف صفقة شراء اوراسكوم المصرية للاتصالات النيجيرية لأن المبلغ المدفوع ضئيل. ثم هناك مسألة البطالة المقنعة حيث وجد ان قرابة 30 الف موظف في السلطة يتقاضون رواتب دون ان يكونوا على رأس عملهم وهؤلاء إما أبناء وبنات وزوجات وأقارب «علية» القوم أو عناصر أمن.. وهو ما يسمى بالفساد الافقي الذي نشره الفساد العمودي.
بل ان الحكومة الحالية في اطار سعيها لمواجهة حكومة حماس المقبلة سارعت الى ترقية وتعيين العشرات من المديرين العامين والوكلاء في الوزارات المختلفة واقرار هيكليات وزارية بسرعة.. واعلن أبو مازن انه طلب من ديوان الموظفين اعادة النظر في كل الترقيات التي تمت في العام الماضي. واعلن خالد مشعل في القاهرة ان حكومة حماس ستعيد النظر فيها ايضا. الحرب على الفساد مهمة شاقة لا يمكن حسمها بسرعة بسبب ضعف السلطة وسطوة الفاسدين ولا اظن ان حكومة من التكنوقراط ستنقذ الموقف لان الحكومة الحالية فاقمت الازمة الاقتصادية اذ يبدو ان المطلوب حكومة فقهقراط تستطيع اقامة الحدود والقصاص من الفاسدين.
رئيس تحرير «الحياة الجديدة» ـ فلسطين