«العمل بروح الفريق الواحد».. من أكثر العبارات استخداما وترديدا داخل المؤسسات إلا أنها من أصعب الأمور تحقيقا وأكثرها تعقيدا. فليس من السهولة إقناع الأفراد العاملين معا بضرورة التحرك صوب الأهداف الواحدة بقلب واحد وحماس متقارب، وان اقتنعوا فإن التنفيذ ومعرفة الكيفية تظل مسألة شائكة وبحاجة إلى قائد يملك من الصفات والمواهب ما يمكنه من دفع الجماعة وقيادتها وتنسيق أدائها باتجاه الرؤية المأمولة.

المؤسسات الصحافية من أكثر المؤسسات حاجة للعمل بروح الفريق الواحد. وتكمن الإشكالية دائما في رغبة كل قسم من أقسام التحرير في العمل بمعزل عن القسم الآخر، رغم تداخل دورة العمل اليومي بين كافة الأقسام بشكل متشابك ومتداخل، إلا أن المعروف أيضا أن الأشخاص الحرفيين والمهنيين عادة ما يفضلون العمل باستقلالية ويميلون إلى حب تحمل المسؤولية بمعزل عن الآخرين.

من هنا يكمن السبب في حرص معظم الصحف على تصميم صالات التحرير فيها على شكل قاعات مفتوحة حيث يعمل الجميع في فضاء يسمح بالاتصال المباشر بين الأفراد والنقاش الحر والسريع وذلك حرصا من المؤسسات الصحافية على كسر حواجز الانعزال التي قد تبنيها طبيعة الصالات المنفصلة عن بعضها البعض. كما ان ما يعزز روح الانفصال بين الأقسام داخل المؤسسة الصحافية الواحدة هو وجود أقسام في الصحف تتعلق طبيعة عملها بإدارة الأعمال كشؤون الموظفين والشؤون المالية والمطابع وأقسام المحاسبة والتي لا تنسجم في روحها مع أقسام التحرير الغارقة في أداء الرسالة الإعلامية.

الا أن القائمين على المؤسسات الصحافية يؤمنون بحتمية العمل بروح الفريق الواحد وذلك لأسباب عدة منها ان المشاركة في الخبرات والمهارات تؤدي إلى استفادة اكبر في المؤسسات، هذا إلى جانب ان أفضل القرارات التي تتخذ غالبا ما تكون محصلة لتبادل وجهات النظر بين الأفراد بدل الاعتماد على خبرة الأفراد بشكل انفرادي.

كما ان التلاحم في العمل بين أقسام التحرير والأقسام الإدارية يحقق وجودا أقوى في الأسواق، فلو كانت هناك مثلا حملة ترويجية لمنتج جديد للصحيفة، فإن قسم المبيعات عليه أن يشحذ خبرته للوصول إلى أفضل الطرق للترويج، في حين تقوم أقسام التحرير بإعداد أكثر النصوص الإعلامية مهنية وتأثيرا في القارئ والمعلن معا. هذا إلى جانب حقيقة ان فريق العمل المكون من أفراد مهنيين وحرفيين كل في تخصصه تكون قدرته على كسب المستهلك والعميل الحرفي والماهر أقوى وأنجح. إلا أن الأهم في الأمر كله هو ان أي خلل لدى القيادات الإعلامية في بث روح الفريق الواحد في المؤسسة الصحافية ينعكس بشكل فوري وواضح في المنتج نفسه وهو الصحيفة ومحتواها.

يقول أحد الناشرين ورئيس تحرير صحيفة (كليفلاند أوهايو) انه ما من مؤسسة في المجتمع تعكس شخصية قادتها والأفراد العاملين فيها كالمؤسسة الصحافية. فشخصية فريق العمل الإداري في الصحيفة ـ حسب وجهة نظره ـ تبدو كأوضح ما يكون في شخصية الصحيفة وموادها. فإذا كان فريق العمل مملا ومهملا أو ذا طابع هجومي وعدائي أو ممتعا ومسليا أو كان من المهتمين بحصد الأموال فقط أو على العكس كأن يكون من المهتمين بالشأن الإعلامي وبمعاييره الصحافية الثابتة، فإن القارئ يلمس شخصية الفريق من خلال محتوى الصحيفة وموادها وطريقة عرضها.

ويختم بالنصح للقيادات الإعلامية في الصحف بأنه ما من مخرج من هذه المواقف لأن حقيقتهم مكشوفة للعامة من خلال عملهم سواء أكان متميزا وكفؤاً أم مهترئا وضعيفاً. ولأن أسلوب القيادة المتبع في أية مؤسسة صحافية او إعلامية صارت تحدث فرقا هائلا في النتائج والمحصلة، اهتمت الدراسات الأكاديمية بطرح تخصصات تمزج بين الإعلام والإدارة. لم يعد يكفي اليوم ان يكون قادة المؤسسات الصحافية منتجين للفكر ومبدعين فقط بل صار الواقع والحاضر يتطلب منهم الماما غير اعتيادي بالمفاهيم الحديثة للقيادة وصنع القرار والتخطيط والتنظيم والتنبؤ والرقابة وغيرها الكثير.

من هنا صارت الزيادة الملحوظة اليوم في كم الدراسات الإدارية المتعلقة بالمؤسسات الإعلامية التي كان وجودها نادرا في السابق. ففيما مضى كان الاعتقاد السائد أن مسائل إدارية كالتمويل والتنظيم والإنتاج والعائد هي مسائل هامشية في الدراسات الإعلامية التي كان جل اهتمامها منصبا على تاريخ الصحافة وأساليب الكتابة التحريرية وعلاقة الصحف بالجمهور وتأثير الرسالة الإعلامية عليه وغيرها. إلا أن امتداد البعد الاقتصادي في العمل الصحافي فرض نفسه بقوة وغير مجرى الدراسات والتخصصات الإعلامية حتى ظهرت مصطلحات مثل «اقتصاديات الصحافة» و«اقتصاديات الإعلام».

وصار هم الصحافة ليس فقط خدمة القارئ وإرضاءه بل أيضا تأمين العائد المادي. ومن هذه المنطلقات الجديدة توسعت أيضا مسؤوليات القادة في وسائل الإعلام لتضم إلى جانب المسؤوليات التحريرية مسؤوليات أخرى لا تقل أهمية وهي المسؤوليات الإدارية التي تتقدمها القدرة على بث روح العمل الجماعي في الفريق الواحد.

مديرة التطوير في المجموعة الإعلامية العربية

Heyamm@albayan.ae