رغم كل التعقيدات والعقبات، من كل لون وصنف ودرجة، التي يواجهها الوضع العراقي، وبالرغم من الحالة غير الطبيعية التي يعيشها، إلا أنه تمكن من القيام بخطوات صحيّة من شأنها أن تؤدي إلى وضعه على السكة الصحيحة، لو هي تواصلت وتابعت المنحى نفسه، صحيح أنها بطيئة، لكنها تسير بصورة حثيثة، ومع الوقت هي محكومة بأن تراكم تجربة تنقل العراق إلى طريق الخلاص. ذلك أنها بدأت تؤسس لترسيخ تمرينات وآليات، كفيلة بضبط الصراع السياسي وتأطيره لإقامة دولة المؤسسات والتعجيل بنهاية الاحتلال.

يوم الأحد تم اختيار د. إبراهيم الجعفري من قبل أكثر تجمع نيابي، ليكون رئيس الحكومة الجديدة، حسم هذا الأمر استغرق حوالي شهرين، الملفت أن هذه العملية جرت بالاقتراع، والملفت أكثر أن الحسم حصل بفارق صوت واحد، وفي ذلك أكثر من مدلول يحمل على التفاؤل ولو بتحفظ، فهو يؤكد ـ بقطع النظر عن طبيعة المساومات أو الضغوطات أو الصفقات السياسية التي رافقتها ـ أن آلية التصويت هي التي تقرر الخيارات والتي تحسم في أمر الاختلافات، كذلك تؤكد أن ثقافة القبول بما يأتي به صندوق الاقتراع بدأت تحفر طريقها في الحياة السياسية العراقية. وكان قد سبق ذلك القبول بنتائج الانتخابات النيابية التي جرت في ديسمبر الماضي، والتي جرى تثبيتها قبل أيام، بصورة رسمية.

إضافة إلى ذلك تميز انتخاب رئيس الحكومة ـ ضمن الائتلاف ـ كما انتخاب الجمعية الوطنية الأخيرة بمشاركة شاملة، غابت معها حالات المقاطعة التي رافقت الانتخابات السابقة.

كل ذلك ليس من المبالغة إدراجه في خانة الإنجازات المهمة بمقاييس الوضع العراقي، فهو تحت الاحتلال وظروفه الداخلية دقيقة وخطيرة ومليئة بالأعطاب، فضلاً عن أن مثل هذه الممارسة دخيلة عليه، على الأقل هو لم يعرفها منذ حوالي نصف قرن، وبذلك فهي بداية طيبة ومشجعة وواعدة.

لا شك أن ذلك لا يزيد عن خطوة في رحلة الألف ميل، كما لا وهم بأن الباقي من المسيرة وعر ومحفوف بالمخاطر والمنزلقات، سواء على المدى القصير أو البعيد، الخطوة التالية أو بالأحرى التحدي الثاني يكمن في القدرة على تشكيل حكومة «وحدة وطنية» التي يرفع شعارها جميع الأطراف. والكل يعرف أن دون ذلك صعوبات وشروطاً وتعجيزات، ربما، لكن من ناحية ثانية أعربت الأطراف كافة عن رغبتها وعزمها على المشاركة، يبقى المحك في إمكانية العثور على التركيبة التي تحظى بالمقبولية الواسعة.

تجربة سنوات الاحتلال وما تخللها من صراعات وتشقق ونزف، لا يزال يتدفق حتى اللحظة، ينطوي على عبرة أساسية بات العراقيون يدركونها من دون شك أكثر من غيرهم، وهي أن احتكامهم للحوار، المبني على الالتزام بقواعد اللعبة الديمقراطية، وحده الرافعة القادرة على انتشال العراق من محنته ودفعه على طريق إعادة البناء. ولعل الإسراع في تأليف حكومة اتحاد وطني تكون حلقة جديدة في هذا التوجه.