في العراق، وسورية، واليمن، والكويت، والإمارات، صادف تشكيل، او تعديل وزارات بأشخاص ليحلوا مكان آخرين، وهي من الجانب النظري أمر طبيعي، لأن التجديد بالدماء حالة ضرورية، لكننا في الوطن العربي، ليس المهم فقط، تمكين مؤهلين، وتكنوقراط، وأصحاب اختصاصات متطورة، يجعل النجاح مضموناً طالما بنية النظام الذي يعوق أي تطور باق بتقاليده، ومواصفاته، ورتابته، وإنما اتباع الأوامر والنواهي.
فقد عايشنا الكثير من الاشخاص الذين تحدثوا عن الإصلاحات، والتغيير في انماط السلوك الاجتماعي، والشكل الاداري، ووصلوا الى فريق الناقد المعارض والموجه، وصاحب النظريات الحديثة، لكن بمجرد ان يجلس على كرسي الوزارة، وما فوقها يتحول إلى بيروقراطي بحساسية حادة ان يتم تقويمه ونقده على ضوء ما كان يطرحه، وقد يعلل الاسباب بأن بنية النظام لم تساعده، والغريب أنه من خلال الكثير من الانظمة نشهد شخصيات تستطيع التطوير دون ان تصطدم بعقبات الروتين، وتعقيداته، ولعل نماذج مثل أحمد محمود محافظ الاسكندرية الذي قلب شكل المدينة من حالة فردية الى مدينة عصرية بمقومات غير عادية وبزمن قصير، ومثله محمد بن راشد في دبي، والمرحوم رفيق الحريري في لبنان، وربما غيرهم من الذين طوعوا قدراتهم، وحولوا مواقع التدمير والخراب الى بناء حديث بأدوات عصرية.
وللمرحوم الأستاذ عبدالله القصيمي مقولة شهيرة نوردها كثيراً، وهي أنه لو حل المرحوم الإمام أحمد مكان ملكة بريطانيا اليزابيث، لتحول الى حاكم ديموقراطي بكل إمكانات الحاكم البريطاني ولو جاءت الملكة لليمن لتحولت إماماً، وبصرف النظر عن هذا التمثيل الذي يصدق على معظم الدول العربية، فإن القضية ليست تغيير الكراسي، والاشخاص، وإنما بالقفز على الواقع العربي الذي ترهل سياسياً، واقتصادياً، ومات علمياً وفكرياً.
هناك بوادر إصلاحات، لكنها بالنسبة والتناسب ضئيلة مقارنة بقفزات آسيا ودول اوروبا الشرقية، لأن بلداناً تثيرها الحساسيات الإقليمية والفئوية، وتعتمد الرأس الواحد في إدارة الدول تجعلنا نقارن فقط بدولة اسرائيل التي نتصادم معها منذ خمسين عاماً، فكيف لشخص مثل شارون يدخل غيبوبة طويلة، وهو واحد من صقورها ومؤسسيها الحديثين، ويموت سريرياً دون أن يحدث اي صدمة في هرم وسفح السلطة؟.
دولة المؤسسات تقال ويُكتب عنها وتدرسها مراكز التحليل العلمي، لكنها نظرياً، موجودة وعمليا حلم طويل لعالم ينام طويلاً على مرقد من شوك.