يوما بعد يوم، تتكشف حجم المؤامرة الكبيرة، التي دبرت بعناية وحبكة درامية شديدة مثل افلام هيولوود ضد العراق، بدءا من استخدام معلومات مضللة لتجريم العراق بامتلاك أسلحة الدمار الشامل.
وهو ما ثبت ولايزال يثبت زيفها، عبر اعترافات الكثير من المسؤولين الأميركيين والبريطانيين، ومرورا بوعود تحويل هذا البلد العربي إلى ساحة ومنارة للديمقراطية.
وهو لم يحصل ابدا بل ان العراقيين لم يجنوا من وراء ذلك سوي تجرع كأس الدم يوميا، فضلا عن انتشار الفساد على نطاق واسع مثلما أعلن أخيرا وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد، وانتهاءا بالتعهد الصريح بمنع تقسيم العراق إلى دويلات طائفية متناحرة.
وهو الأمر الذي لا يستطيع احد تصديقه في ظل هذه الفوضى التي تشهدها الساحة العراقية. لكن في ظل هذه المأساة، يبرز سؤال شديد الأهمية وهو : اين دور إسرائيل في هذا كله؟
وهل فعلا ساهمت بدور كبير في تحريض أميركا على غزو العراق، حتى تتخلص مما تراه تهديدا لامنها ووجودها في المنطقة مثلما تعزف على هذه النغمة الآن مع إيران؟
بالتأكيد فان إسرائيل لعبت دورا مهما في دفع أميركا إلى غزو واحتلال العراق، من اجل تحقيق أهدافا عدة، أبرزها تغييب دولة عربية لها وزنها الكبير مثل العراق، عن مشهد الصراع العربي الإسرائيلي الأمر الذي يسمح للدولة العبرية.
بالاستفراد بأطراف أخرى كان العراق سيمثل لها عمقا استراتيجيا، حال تعرضت لعدوان إسرائيلي،او دعما معنويا في مطالبها العادلة باسترداد أراضيها المحتلة من قبل إسرائيل.
ليس هذا فقط، بل ان إسرائيل سعت إلى ادخال الولايات المتحدة عسكريا إلى المنطقةـ وهذا بالتأكيد لا ينفي أهداف أميركا الخاصة ومصالحها من وراء الغزو ـ من اجل تشكيل ما يشبه الحلف الدائم بينهما في فرض سيطرتهما على هذه المنطقة من العالم.
والدليل على تشجيع إسرائيل بل وتحريضها علي الغزو، التصريحات الأخيرة لرئيس جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (شين بيت) يوفال ديسكين و التي تم تسجيلها بشكل سري وبثها التلفزيون الإسرائيلي لاحقا، وقال فيها إن «دولته قد تندم على تشجيع الإطاحة بالرئيس العراقي السابق صدام حسين».
وأضاف إن «ديكتاتورية قوية قد تكون أفضل من الفوضى التي تسود حاليا في العراق»، مشيرا إلى ان «إسرائيل قد تندم على قرارها دعم الغزو» مؤكدا : «عندما تطيح بقوة بنظام يحكم شعبه عبر مستبد، تحصل على الفوضى و لست متأكدا من أننا لن نشتاق إلى صدام حسين».
هذه التصريحات تحمل الكثير من النقاط المهمة التي ينبغي التوقف امامها طويلا، أهمها ان إسرائيل «شجعت» الولايات المتحدة على غزو العراق.
وهذا يعني ان الكثير من مصائب العالم العربي تأتي عن طريق إسرائيل، بل وبتحريض منها دائما، على اعتبار انه كلما كان العالم العربي مأزوما مقهورا ومثخناً بالجراح، فان شهيتها الاحتلالية ستظل مفتوحة لالتهام الكثير من الحقوق العربية.
الشيء الآخر ان إسرائيل لايهمها ابدا وجود ديمقراطية حقيقية في العالم العربي، بل انها تفضل أنظمة الحكم الديكتاتورية، ليس بهدف ضبطها للأوضاع في بلادها ومنع حدوث فوضى، بل لانها ستكون أسهل في التعامل معها والقبول برؤيتها للتسوية الناقصة والتي لتلبي أو تعيد الحقوق المغتصبة بشكل كامل.
وهذا الأمر يفسر أسباب هذه الهجمة الشرسة على حركة حماس التي وصلت إلى السلطة بانتخابات حرة نزيهة بشهادة الكثير من المراقبين الدوليين الذين كانوا عند صناديق الاقتراع.
يضاف إلى ذلك ان إسرائيل تريد دائما للشعوب العربية ان تظل في فلك الكبت وغياب الحرية والديمقراطية، لكن على نحو يمكن ضبطه بنظام ديكتاتوري مستبد، حتى لاتحدث فوضى قد تصل شظاياها اليها، والشظايا هنا لاتعني التأثر امنيا، وانما بقدوم نظام حكم لا يقبل أطماعها في المنطقة.
من هنا فاننا كدول عربية، نستطيع فعلا ان نشعر إسرائيل بالندم الكبير على احتلالها للأرض العربية وعدوانها على الإنسان العربي، واستهزائها بكل قرارات الشرعية الدولية، اذا فتحنا الباب على مصراعيه للديمقراطية الحقيقية.
وعممنا مناخا من الحرية، واتحنا حرية الاختيار للشعوب، وهى أمور جميعا ستخنق إسرائيل وستدفعها للاقرار بان للآخرين حقوقا لايمكن اغتصابها إلى الأبد.