كتب الصحافي الأميركي المعروف ديفيد اغناتيوس مقالة في صحيفة «الدايلي ستار» اللبنانية أوائل الشهر الجاري قال فيها ان ثمة تنسيقاً استراتيجياً بين واشنطن وباريس بخصوص إيران وسوريا ولبنان ومسائل أخرى، يتولاها مستشار للرئيس الفرنسي يدعى موريس غوردو مونتانيي الذي يسافر دوماً إلى واشنطن للقاء مستشار الأمن القومي الأميركي ستيفن هادلي، كما يتواصل الرجلان هاتفياً أسبوعياً في الفترة الفاصلة بين اللقاءات.
وكشف الكاتب عن أن هذا التنسيق الاستراتيجي قد بدأ وعبر عنه عملياً بزيارة سرية إلى دمشق قام بها غوردو مونتانيي في نوفمبر 2003 أي بعد نحو سبعة أشهر على غزو العراق وقبل أقل من سنة من صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1559 والذي جاء نتيجة مشروع قرار فرنسي ـ أميركي.
وقد التقى مستشار الرئيس الفرنسي جاك شيراك في تلك الزيارة بالرئيس السوري بشار الأسد ونقل له رسالة من شيراك ومن المستشار الألماني غيرهارد شرويدر والرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
والثلاثة كانوا من معارضي الحرب على العراق، تقول الرسالة ان غزو العراق قد غير الأمور في الشرق الأوسط وان على الأسد أن يظهر أنه تغير هو أيضاً، وذلك من خلال زيارة إسرائيل على غرار الرئيس المصري أنور السادات، أو اتخاذ خطوات جريئة أخرى لتحقيق السلام مع إسرائيل.
ويذكر أغناتيوس أن الأسد فهم الرسالة أن فرنسا وألمانيا وروسيا قد انضمت إلى الولايات المتحدة في تكثيف الضغوط على سوريا، مما دفعه إلى تعزيز سيطرته على لبنان عبر التمديد للرئيس اللبناني إميل لحود والبدء في التضييق على رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري، وهو ما أسفر لاحقاً عن اغتيال الحريري في 14 فبراير 2005.
ليس جديداً القول إن القرار 1559 لم يكن ليمر في مجلس الأمن لولا هذا التحالف الفرنسي ـ الأميركي، بل إن مسؤولاً أميركياً بارزاً قال لي في مقابلة نشرتها في ديسمبر 2004 اي بعد نحو شهرين من صدور القرار إن هذا القرار هو من صنع فرنسا ونحن قمنا بدعمه فقط.
وليس سراً القول إن سوريا وحلفاءها في لبنان قد سربوا إلى وسائل الإعلام اللبنانية أن الحريري يقف وراء هذا القرار الدولي الذي أجبرهم على الانسحاب من لبنان وإنهاء هيمنتهم عليه، وأن الوزير مروان حمادة والوزير السابق غسان سلامة قد صاغا القرار بطلب من الحريري.
يستنتج الكاتب الأميركي في مقالته المعنونة «هل قتلت الصلة الفرنسية الحريري؟» بأن الحريري سقط ضحية هذا التحالف الأميركي الفرنسي الجديد والأصح أن الحريري دفع ثمن هذا التحول الاستراتيجي الفرنسي وتحديداً ثمن القرار 1559.
قد لا يقبل البعض في لبنان خاصة من قبل «تيار المستقبل»، الذي يتزعمه النائب سعد الحريري نجل الشهيد رفيق الحريري، بالإقرار بأن للحريري دوراً ما في القرار 1559 وخاصة أن هذا القرار يدعو في بنده الثاني إلى نزع سلاح الميليشيات في لبنان، في استهداف لسلاح حزب الله، فيما يرى البعض الآخر أن فرنسا، على الرغم من صداقة شيراك الحميمة للحريري.
والولايات المتحدة وحلفاءهما، لن تصدر قرارات دولية من مجلس الأمن بناء على حسابات فردية وعلاقات اجتماعية وشخصية، بينما أرادت فرنسا استعادة نفوذها في لبنان الذي خسرته منذ أوائل الثمانينات لمصلحة سوريا.
أما واشنطن فأرادت استعادة النفوذ في لبنان الذي خرجت منه عام 1983 إثر العمليات التفجيرية ضد مقر المارينز والسفارة الأميركية في بيروت من جهة، والانتقام من حزب الله بنزع سلاحه ووقف عملياته ضد إسرائيل في مزارع شبعا و«الخط الأزرق»، وهي مصلحة استراتيجية إسرائيلية بالدرجة الأولى.