يعتبر الإعلام في المجتمعات الغربية الديمقراطية السلطة الرابعة إلى جانب السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية.

ويقوم الإعلام عادة، أو يفترض به أن يقوم، بمراقبة السلطات الأخرى والتأكد من أدائها لواجباتها طبقا لما تقره القوانين المعمول بها في المجتمع. كما أن من المفروض أن يقوم الإعلام أيضا بكشف الأسرار ذات العلاقة بالمصلحة العامة.

وتوجيه نظر السلطة التنفيذية إلى المشاكل التي تهم الجمهور، ونقد السياسات العامة للدولة، وتقييم أداء كبار الموظفين فيها، والدفاع عن حقوق المحرومين.

إن العلاقة بين العملية الإعلامية والحزبية والعملية الديمقراطية هي علاقة حميمة تتصف بالتكامل والتفاعل والتأثير المتبادل، مما يجعل تلك العناصر الثلاثة تشكل فيما بينها مثلثا متساوي الأضلع والأهمية.

وهذا يعني أنه ليس بالإمكان تحليل دور الإعلام في المجتمع، أو تقييم أداء الحزبية في العملية الديمقراطية، أو تحديد مكونات ومتطلبات العملية الديمقراطية بمعزل عن العناصر الأخرى.

فالإعلام الحر هو جزء لا يتجزأ من العملية الديمقراطية وضمانة من الضمانات الأساسية لقيام واستمرار النهج الديمقراطي في أي مجتمع من المجتمعات.

والديمقراطية هي الإطار المجتمعي الذي يجعل بالإمكان قيام إعلام حر في المجتمع، ويوفر له السبل للقيام بدور فاعل في حياة الناس وفي تطور العمليات المجتمعية الأخرى.

أما الحزبية فهي الميكانيكية التي يقوم أفراد المجتمع من خلالها بممارسة حقوقهم السياسية وإيصال ممثليهم إلى سدة الحكم، والمشاركة في اتخاذ القرارات المصيرية.

بينما كانت التحديات العقائدية والأمنية التي تواجه الغرب عموما تتراجع تدريجيا بعد انهيار الماركسية وتفكك الاتحاد السوفييتي مع بدايات العقد الأخير من القرن الماضي، وكانت القناعات الفكرية والمواقف الايديولوجية للأحزاب السياسية تتقارب، كانت العملية الإعلامية تستولي تدريجيا على دور الحزب التقليدي في الحياة العامة.

وبسبب قدرة الإعلام على الوصول إلى كل بيت وكل فرد في كل لحظة من لحظات الليل والنهار، وذلك دون الإحساس بتعب أو ملل، فإن العملية الإعلامية أصبحت أقدر من أية جهة أخرى على إيصال المعلومة لطالبيها.

وأكثر جرأة على فتح الحوارات الساخنة وتقييم الأفكار والسياسات العامة المطروحة للنقاش، وطرح بدائل العمل والخيارات أمام الشعب.

وبذلك أصبحت المؤسسات الإعلامية والقائمون عليها أكفأ من أي حزب عل إقناع الجمهور وتشكيل مواقفه حيال القضايا الهامة وقيادته خلال الأزمات.

ويقوم الإعلام عادة بتلك المهام من خلال تحديد الأولويات، والتركيز على قضايا معينة دون غيرها، والتلاعب بعواطف الجمهور واستغلال مخاوفه، والتكرار الذي يجعل الاقتراحات تبدو وكأنها بديهيات.

وعلى سبيل المثال، استطاع المرشح المستقل روس بيرو في عام 1992، معتمدا على التلفزيون دون غيرة من وسائل حزبية أو إعلامية أخرى الحصول على 20% من أصوات الناخبين الأميركيين في حينه، والتسبب في هزيمة المرشح الجمهوري، الرئيس جورج ووكر بوش.

أما سلفيو بيرلسكوني فقد استطاع الفوز في الانتخابات البرلمانية الايطالية في عام 1994 بالاعتماد على تجمع حزبي صغير عمره شهران، وباستخدام إمكانيات إمبراطوريته الإعلامية العملاقة، كما استطاع العودة إلى الفوز مجددا والاستمرار في حكم إيطاليا لعدة سنوات متتابعة.

إلى جانب نجاح العملية الإعلامية في الاستيلاء على الدور التقليدي للحزب السياسي في المجتمع الغربي، فإن الإعلام نجح أيضا في إرغام العملية الانتخابية على المرور من خلال قنواته المختلفة.

إن ضخامة حجم المساحات التي يكون على المرشحين للانتخابات عادة تغطيتها، وتنوع الخلفيات الثقافية والاهتمامات الحياتية للجماهير التي يراد إقناعها، وتباعد أماكن تواجدها، وكثرة المشاكل التي يراد فرزها والتركيز عليها جعل الإعلام الوسيلة الأهم، وأحيانا الوسيلة الوحيدة القادرة على إيصال رسالة المرشح إلى جمهور الناخبين المستهدف.

وبسبب كون غالبية المؤسسات الإعلامية مؤسسات ربحية خاصة، فإن الوصول إلى جمهور الناخبين أصبح عملية صعبة ومعقدة ومكلفة للغاية، وهذا جعل المرشحين القادرين على الحصول على الخدمات الإعلامية لا يمثلون إلا القلة التي تملك المال والجاه والنفوذ.

ومن ناحية أخرى أصبح الإعلام عبارة عن أداة اتصال كفؤ، وبوق دعاية فعال وجاهز للاستئجار من قبل أية جهة بحاجة إليه وقادرة على دفع الأجرة المطلوبة.

وهكذا فقد الإعلام حياده ونزاهته وأصبح عبدا مسخرا لخدمة المهيمنين عليه من مديري برامج وملاك، وفي خدمة كل من يملك المال لاستئجاره، وبالتالي غير مؤهل للدفاع عن الصالح العام، أو كشف الحقائق على علاتها، أو دعم وتعزيز العملية الديمقراطية.

ولما كان من الصعب جدا حصول أي مرشح على ما يكفي من المال لخوض معركة انتخابية تتوفر لها فرص النجاح، فإن الحاجة للمال خلقت نشاطا جديدا يقوم على تكوين لجان العمل السياسي المرتبطة بأصحاب المصالح الخاصة، وذلك من أجل المساعدة على تمويل الحملات الانتخابية للمرشحين.

وتقوم تلك اللجان عادة بتوفير المال مقابل التزام المرشح بخدمة مصالح الفئات الداعمة له والقيام بالدفاع عن وجهة نظرها لدى الجهات الحكومية المختصة.

ونتيجة لذلك أصبح الشعب يقوم بانتخاب ممثليه النيابيين وحكامه، ويقوم هؤلاء بخدمة مصالح فئات اجتماعية وقطاعات صناعية ومالية ومهنية معينة كثيرا ما تتعارض مصالحها مع مصالح الشعب والمصلحة العامة.

إن حدوث تلك التطورات في دول الغرب الديمقراطية عامة، وفي الولايات المتحدة الأميركية خاصة، فتح الباب على مصراعيه لقيام نخبة صغيرة تتكون من السياسيين وبعض الإعلاميين وقلة من المثقفين وكبار الرأسماليين باحتكار السلطة وتداولها فيما بينها.

وتشمل تلك النخبة عناصر محافظة وليبرالية على السواء، وتتحرك بين اليمين واليسار بحرية تامة ودون إحراج أو حاجة لتبديل اللافتات السياسية أو لباس أقنعة إيديولوجية.

ولقد نتج عن هذا تضاؤل اهتمام الجماهير بالحزبية والعملية الانتخابية بوجه عام، وتراجع ثقة الشعوب بالحكومات المنتخبة، وإفراغ العملية الديمقراطية من محتوياتها الرئيسية وقدراتها على تحقيق أهدافها المجتمعية الإنسانية.

يقول المحلل السياسي الأميركي برتراند شنا يدر أن الأنظمة الديمقراطية التي عملت بكفاءة على مدى 200 سنة متواصلة تبدو اليوم وقد دخلت مرحلة الشيخوخةوالجمود، وأن سكوتها على ما أصابها من شيخوخة وترهل جعلها غير قادرة على إنتاج قيادات جديدة وإفراز قدرات خلاقة.

إن العصر الجديد الذي نعيشه اليوم يتطلب رؤية جديدة وقيادات جديدة وسياسات جديدة لا يمكن استمرار التطور المجتمعي والحفاظ على الديمقراطية وتجديد حيويتها بدونها.

وهكذا يبدو واضحا أن الإعلام فقد حريته وحياده واستقلاله، بينما كان الحزب السياسي يتنازل عن دوره المجتمعي لإعلام غير حر وغير نزيه وغير ملتزم بمصلحة عامة أو قضية وطنية.

وفي الواقع بينما يقوم رأس المال اليوم بتلويث البيئة الطبيعية، يقوم الإعلام الغربي بتلويث البيئة الاجتماعية والثقافية للشعوب، حيث يتم رسم البرامج الترفيهية والسياسات الإعلامية بهدف تحقيق الربح بغض النظر عن تبعات الكثير من البرامج على ثقافات الشعوب وتربية الأطفال ومشاعر الفقراء والمحتاجين.

بناء على ما تقدم يمكن القول أن النظام الديمقراطي الغربي لم يعد قادرا على القيام بالدور المنوط به وتحقيق العدالة والمساواة في المجتمع، ولم تعد العملية الانتخابية قادرة على تمكين الشعب من حكم نفسه بنفسه،.

ولم تعد الفئة الحاكمة مؤهلة لتمثيل الجماهير التي تنتخبها، وليست قادرة أو حتى مستعدة للدفاع عن مصالح الشعوب والأوطان التي تدعي تمثيلها وتقوم بنهب أموالها وخيراتها.

professorrabie@yahoo.com

اكاديمي أميركي من أصل عربي