يصادف هذا اليوم، مرور الذكرى السنوية الأولى، على استشهاد الرئيس الحريري ورفاقه في بيروت، حيث اغتالته يد الظلم والقهر والغدر والخيانة، وقبله بعدة أيام مرت ذكرى عاشوراء الحزينة، استشهاد الإمام الحسين رضي الله عنه، سيد الشهداء، في العاشر من محرم عام (60) ه.

وكان الأسبوع الماضي، أسبوعاً كارثياً حزيناً، غرق فيه ألف من الركاب البسطاء الأبرياء في أسوأ كارثة بحرية أودت بحياتهم وغرقت بهم عبارة مصرية منتهية الصلاحية، وعانوا ساعات طويلة من الأمواج المتلاطمة في عتمة ليل بهيم وقاسوا البرد والجوع والخوف حتى خارت قواهم.

ولم ينجدهم أحد حتى استسلموا للموت في ظل غياب تام للمسؤولية وانعدام الضمير، واستهتار بحياة البشر وفقدان الإنسان العربي لأية قيمة لحياته في الأرض العربية، هكذا تنبت الأرض العربية شجرة اللامسؤولية وترتوي بمياه المظالم المستمرة وتتغذى بالقهر والاستبداد.

لكن دماء الحسين، دكت ملك بني أمية وتم الاقتصاص من الظلمة جميعاً وبقيت ذكرى استشهاده تتجدد سنوياً عبر (14) قرناً نوراً هادياً للشرفاء والأحرار، وناراً حامية تزلزل أوكار الظلمة ورمزاً للتضحية والفداء في سبيل المبادئ العليا والإصلاح والعدالة ومقاومة الظلم والانحراف.

وكذلك دماء الحريري لم تذهب هدراً، فقد زلزلزت لبنان والمنطقة العربية بأسرها وأخرجت ما في باطنها من سوء وخبث وفساد، وجعلت (لبنان) ينتفض بثورة المليون (14 مارس) مطالبة بالحرية والسيادة والاستقلال، فتنسحب سوريا.

ويتداعى المجتمع الدولي لمساندة لبنان ضد المتربصين الذين احترفوا القتل والتدمير والتصفيات الجسدية بالسيارات المفجرة والتي طالت شرفاء لبنان وأبطالها الذين لم يستكينوا.

وفي خلال سنة واحدة على مقتل الحريري كانت التداعيات كثيرة والتغيرات شملت كل المفاصل الأساسية في لبنان، لقد أجريت انتخابات، وتغيرت حكومات، وتشكلت لجنة تحقيق دولية، وضعت تقريراً أولياً تضمنت الكثير من المؤشرات والدلالات.

وأصبح جلاء الحقيقة قاب قوسين أو ادنى، وظن (المتورطون) وعملاؤهم انه أحيط بهم، فبدأوا لعبة خلط الأوراق من أجل التغطية على الحقيقة، وصعدوا عمليات التصفية الجسدية وكانت أقساها مقتل (جبران) من أجل صرف الأنظار .

وزعزعة الاستقرار وارهاب اللبنانيين حتى لا يسعوا إلى جلاء الحقيقة، وبدأت عمليات التغطية الفاشلة عبر توزيع الاتهامات على جهات لا علاقة لها بمسلسل الجرائم في لبنان، ثم حشدوا المسيرات وسخروا الإعلام المضلل، بهدف تبرئة أوليائهم رغم كل القرائن والشواهد الواضحة بمسؤوليتهم.

وقامت اتحادات ونقابات عربية ومن باب (انصر أخاك العربي) بجانب من هذه التغطية وبهدف عدم كشف الحقيقة حتى تضيع المسؤولية ويستمر الفساد. ويمكرون ويمكر الله، والله لا يحب الفساد والمفسدين.

بعد سنة من مقتل الحريري أصبحنا أقرب إلى الحقيقة وأصبح المجتمع الدولي أكثر ثقة في عمليات التحقيق، وأصبح اللبنانيون أكثر اعتزازاً بحريتهم واستقلالهم وكرامتهم لقد تنامي شعور اللبنانيين بعزتهم .

وزاد تصميمهم على مواصلة تنفيذ مشروع الحريري العظيم، المشروع الإصلاحي العربي الوحيد الذي حقق نجاحاً وأنتج ثماراً، بناء لبنان سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، موحداً عزيزاً، مستقلاً، حراً في ظل حكومة ديمقراطية مسؤولة تحاسب المفسدين.

لقد تغير الوضع في لبنان فعلاً ويكفي للدلالة انه عند مقتل الحريري ورفاقه في جريمة هي الابشع من نوعها ثبت فيها القصور الأمني لم يقدم أحد من المسؤولين استقالته، بينما في (شغب) يوم الأحد الأسود .

والذي استهدف فيه بعض المندسين حرق القنصلية الدنماركية في الاشرفية ببيروت، في تزامن ملفت لحرق السفارتين الدنماركية والنرويجية بدمشق مما جعل البعض يطلق عليه (تلازم الحريقين) أسوة بـ (تلازم المسارين) قام وزير الداخلية اللبناني (السبع) بتقديم استقالته!!

مثل هذا لا يحصل في أية دولة عربية أخرى، وأمامنا كارثة العبارة المصرية نموذجاً صارخاً على مدى التسيب والفساد والاستهتار بحياة البشر، يموت ألف شخص على مرأى البصر بعد ان يعانوا العذاب.

وبسبب عبارة كانت في الأساس لنقل البضائع وانتهى عمرها الافتراضي (36) عاماً حسب التقارير، فقام أصحابها بتجديدها بعد شرائها خردة ورفعوا علم بنما عليها تحايلاً على القانون المصري والمساءلة القانونية وإجراءات السلامة البحرية.

ليت هؤلاء الصعايدة في (خيطان) في الكويت الذين تظاهروا استنكاراً للإساءة للرسول صلى الله عليه وسلم مرددين (خيبر خيبر يا يهود، جيش محمد سوف يعود) ليتهم ـ أيضا ـ تظاهروا من أجل أقربائهم ضحايا العبارة وجلهم من الصعايدة البسطاء الذين قال (فندي) عنهم (ان موت الصعيدي يعني موت الأحلام وموت آمال الأطفال في حياة كريمة.

وموتاً لمن كانوا يعتمدون عليه من الأقارب المحتاجين، هذا ليس موت فرد عادي انه موت جماعي في القرية التي اتى منها ذلك العامل البسيط، ان ألفاً من هؤلاء الذين قضوا غرقاً يمثلون أكثر من ألف مأساة، ألف موت، ألف حزن، انه خطب جلل يحل بالديار).

لقد قال الرئيس مبارك ان دماء ضحايا العبارة لن تذهب هدراً. ونحن نثق في كلامه.

دماء الشهداء، دماء الأبرياء، دماء الذين ذهبوا ظلماً، لن تذهب هدراً.

خالق الكون، وخالق الإنسان بالمرصاد للظلمة والمفسدين، وقصاصه العادل لابد أن يحل، ولكن على الشعوب ان تتحرك وتسعى وتقاوم فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. ذلك قانون إلهي حتمي ولا تبديل لكلمات الله.

كاتب قطري