استطاعت حركة «حماس»، عبر الانتخابات التشريعية الفلسطينية، تحقيق نجاح منقطع النظير، إذ انتقلت هذه الحركة، مرة واحدة، من المعارضة إلى السلطة.

ومن مكانة التنظيم الثاني، إلى مكانة التنظيم الأول (بدلاً من حركة «فتح»)، ومن موقع الخارج عن الشرعية إلى موقع الشرعية في النظام السياسي الفلسطيني. فقد حصلت الحركة على 74 مقعدا (56 بالمئة) من مقاعد المجلس التشريعي (132 مقعداً)، في حين حصلت حركة فتح على 45 مقعدا (34 بالمئة).

وبغض النظر عن الأسباب الداخلية والخارجية لهذا الانقلاب في النظام السياسي الفلسطيني (عبر صناديق الاقتراع)، فإن «حماس» باتت معنية، بأسئلة ما بعد الفوز، أي بالتحديات والتبعات، الداخلية والخارجية، أيضا، التي يرتّبها عليها موقعها الجديد، في قيادة السلطة، وربما في قيادة الساحة الفلسطينية.

وعلى الرغم من الحديث الايجابي عن الانقلاب الديمقراطي الحاصل، وسلاسة تداول السلطة، في الساحة الفلسطينية، إلا أنه ثمة تخوّف مشروع جرّاء المبالغة بما حصل، أو جرّاء الاستهتار بالعوائق التي قد تحول دون تحقيق هذه النقلة السياسية الكبيرة بشكل ناجز.

وفي هذا الوضع فإن حركة حماس ربما تكون معنية أكثر من غيرها، بكبح المشاعر المشوّشة، الناجمة عن نشوة الفوز، وحراسة التغيير الحاصل، عبر استنتاج الدروس اللازمة منه.

والتأنّي في التعاطي معه، والتحلّي بالحكمة في قيادته، وبالأخصّ عبر عدم استدراج ردود أفعال انقلابية أو انفعالية،على جاري عهدها في المبالغة في مرحلة المعارضة.

وبالخصوص، فإن حركة حماس، على الصعيد الذاتي والداخلي، معنية بتكييف ذاتها للتعامل، بمرونة وبمسؤولية وجدية، مع التحديات المهمة التالية:

1 ـ التعامل مع مؤسّسة الرئاسة. فالساحة الفلسطينية باتت فجأة في مواجهة واقع جديد، إذ أن رئاسة السلطة في يد حركة فتح، في حين أن رئاسة الحكومة باتت في يد حركة حماس (وربما لمرشح قريب منها).

وفي هكذا وضع فإن الرئيس محمود عباس، رئيس السلطة (وهو من قيادة فتح)، هو الذي يتحكّم بإصدار القوانين والتشريعات وإدارة القضايا الخارجية والأمنية والتفاوضية.

ومشكلة حماس، أيضا، (مع النواب المستقلين المقربين) أنها تملك 78 مقعدا من مقاعد المجلس التشريعي، بمعنى أنها لا تتّمتع بأغلبية الثلثين (88 مقعدا) التي تؤهّلها لاستصدار تشريعات وقوانين أساسية من المجلس.

والمفارقة أن فتح باتت لوحدها تتمتّع بميزة الثلث المعطّل، ما قد يؤدّي إلى شلّ فاعلية التشريع في المجلس، من خارج التوافق مع حركة فتح.

ولا شكّ أن هكذا وضع يتطلّب من حركة حماس (وفتح أيضا) نوعا من المرونة لتسيير دفّة النظام الفلسطيني، لأن البديل عن ذلك، أي عن انعدام التوافق بين مؤسّستي الرئاسة والحكومة، وعن الشلل في المجلس التشريعي، ربما يؤدّي إلى قطع الانتصار على حماس والتوجه نحو انتخابات تشريعية ورئاسية جديدة، من الصعب الآن التكهن بطبيعة نتائجها.

2ـ التعامل مع أجهزة السلطة. فممّا لا شكّ فيه أن حركة حماس تنظر بعين القلق والتوجّس إزاء التركة التي وجدت نفسها معنية بإدارتها، والمتمثلة خصوصا بالأجهزة الأمنية والإدارية والمالية.

والتي ستظل موضع شبهة بالنسبة لها، وعبئا عليها، بدعوى ولاء هذه الأجهزة للسلطة السابقة (سلطة فتح)، وبدعوى فساد القيمين عليها، كما بدعوى حقها في وضع محازبيها ومناصريها في المراكز المهمة لتسهيل إدارتها.

بديهي أن واجب حركة حماس في موقعها القيادي الجديد، بالإضافة إلى مشروعية ووجاهة كل المبررات السابقة، العمل على ترشيد أجهزة السلطة، ولكن شرط أن يتم ذلك بمعزل عن الولاءات والعصبيات الفصائلية.

ومن دون التسرّع بالإيحاء بالسعي لإحداث حالة انقلابية/ استئصالية في أجهزة السلطة، لأن هذا وذاك ربما يخلقان ردود فعل غير محسوبة، وقلاقل تساهم في زعزعة استقرار وجود حماس في السلطة، أو تقصير أمده، بوسيلة أو بأخرى.

المعنى أن معالجة وضع الأجهزة، والقائمين عليها، ينبغي أن يخضع لحسابات الشراكة السياسية، ولمعايير الكفاءة والنزاهة الشخصية والخضوع للمراقبة والمحاسبة.

وفي كل حال فإن حركة حماس ينبغي أن تكون معنية بالتمييز بين مؤسسات السلطة، وبين منافستها لفتح، في سعيها لتكريس المأسسة في النظام الفلسطيني، بحيث تتكرس حيادية أجهزة السلطة، عن الصراعات السياسية، وبحيث تخضع لرقابة المجلس التشريعي وسلطة القانون.

3 ـ التعاطي مع واقع منظمة التحرير الفلسطينية. إضافة إلى النقطتين الأوليتين، فثمة مشكلة أخرى تقف حجر عثرة أمام تحكم، أو أمام قيادة، حماس للنظام الفلسطيني، تتعلق، أولا، بكونها تعمل من خارج مؤسسات المنظمة، وثانيا، بحكم هيمنة فتح على المنظمة.

هكذا فثمة نوع من الفيتو من قبل حركة فتح على قيادة حماس وتوجهاتها السياسية، في المؤسستين القياديتين، (رئاسة السلطة ورئاسة المنظمة)، حيث محمود عباس (أبو مازن) يترأس هذين الإطارين القياديين.

والمعلوم أن منظمة التحرير هي المرجعية القيادية للسلطة، وهي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، وهي بمثابة الرمز والموحد للفلسطينيين والمعبر عن قضيتهم.

وبدون دخول حماس إلى المنظمة، وعكس واقعها (القيادي) الجديد عليها، من الصعب على حماس إدارة الوضع الفلسطيني، أو التحكم بتوجهاته السياسية، أو تكريس ذاتها باعتبارها قائدا للشعب الفلسطيني.

4 ـ واقع المنافسة مع فتح. فعلى الرغم من الفوز الساحق الذي حققته حماس في الانتخابات، فإن تعميد هذا الفوز وتأكيد شرعيته، لتكريس قيادتها، ربما يتطلب جولة انتخابية أخرى؛ لأسباب عدة، أهمها:

أولا، أن فتح مازالت تمتلك العديد من أوراق القوة، وضمنها: 1 ـ رئاسة السلطة، 2ـ رئاسة المنظمة، 3 ـ نفوذ قوي في أجهزة السلطة والمنظمة، 4 ـ تماثلها مع الواقع العربي والدولي، وهي أوراق تتيح لفتح الحد من دور حماس القيادي والشك بمشروعيته.

ثانيا، من تفحّص نتائج الانتخابات، يمكن تبيّن أن نجاح حماس جاء، في نسبة لا بأس بها، ليس لخيار حماس السياسي، وإنما نتيجة لتردّي واقع فتح، أي بسبب خلافاتها وترهلها واستهتارها (بمعزل عن إخفاقاتها في المفاوضة والانتفاضة وبناء الكيان).

كما أن نسبة من التصويت الاحتجاجي ضد فتح بين الناخبين إزاء حال الفساد والفلتان الأمني والاستهتار بمشاعر الناس، في الضفة والقطاع.

ولعل هذا يفسر التعادل في الانتخابات النسبية (الوطنية) بين حركتي فتح (42 بالمئة) وحماس (44 بالمئة)، في مقابل الفجوة في نتائج انتخابات الدوائر، التي حصدت فيها فتح هزيمة مريعة، بحصولها على 26 بالمئة من المقاعد (مقابل 68 بالمئة لحماس).

ففي هذه الانتخابات عاقب ناخبو فتح ومؤيدوها حركتهم على الشخصيات التي صدّرتها في قوائمها، أكثر من كونهم انحازوا إلى خيار حماس السياسي.

كما يمكن لفت الانتباه إلى أن تنافس أبناء فتح من خارج القوائم الرسمية (حوالي 150) أدى إلى تشتيت الأصوات لصالح حماس في الدوائر.

5 ـ معادلة الديمقراطية والديكتاتورية. فقد أدت نتائج الانتخابات، وبغض النظر عن مداخلاتها الداخلية والخارجية، إلى فوز حماس، وهذا أمر بحكم المنتهي. ولكن هذه الانتخابات بيّنت أيضا انقسام الشعب الفلسطيني، إلى اتجاهين رئيسيين.

وفي مثل هذا الواقع فإن حماس، رغم أكثريتها العددية في المجلس التشريعي (56 بالمئة)، لا تستطيع أن تفرض خياراتها على الفلسطينيين، فهذه الأغلبية البسيطة لا تمنحها الحق والمشروعية في ذلك.

وبمعنى آخر فإن احترام الديمقراطية بتمكين حماس من قيادة السلطة في هذا المرحلة، بكل سلاسة وبروح تعاونية وتكاملية، ينبغي أن يقابل من حماس ذاتها، بتفهم واقع الانقسام الحاصل في الساحة الفلسطينية، وخصوصا تقبل واقع التعددية والتنوع والديمقراطية واحترام الرأي الآخر.

وعدم تحويل الديمقراطية التي جاءت بها إلى السلطة إلى دكتاتورية للأغلبية في المجلس التشريعي، فهي ستخسر، فضلا عن أنها لن تستطيع ذلك في الواقع الفلسطيني السائد.

فقط عندما تصبح حماس مع مؤيديها بمثابة أغلبية مطلقة، يمكن لها فرض خياراتها السياسية والميدانية، في الشأن العام، من دون أن يشمل ذلك بالطبع الحيز المجتمعي.

وشأن الحريات الشخصية والمدنية، التي ينبغي احترام خصوصيتها وكونها مجالا شخصيا. وإلى حين ذلك فإن حركة حماس ينبغي أن تبحث عن معادلات تمكنها من قيادة الساحة الفلسطينية.

والشأن العام الفلسطيني، على قاعدة التوافقات والمشاركة، بعيدا عن التفرد والتهميش أو الوصاية والإلغاء والإقصاء، التي عانت منها الساحة طويلا.

طبعا ثمة تحديات أخرى ينبغي لحماس مواجهتها، لجهة تكييف برنامجها، بنقله من عالم الايديولوجيا والرموز إلى عالم السياسة والواقع، وتكييف ذاتها من معارضة لا مبالية إلى قيادة مسؤولة، كما ثمة تحديات خارجية جمة، تواجهها، من جانب إسرائيل، ولجهة التماثل مع الواقع العربي والدولي ونيل المشروعية.

كاتب فلسطيني