حالة الهياج التي اجتاحت أهالي ضحايا كارثة العبارة المصرية «السلام 98»، كانت شيئاً طبيعياً، وهم يشاهدون ويسمعون حجم المأساة المروعة على شاشات الفضائيات وألسنة الناجين ممن قدر لهم عمر جديد.
سفينة تخطت العمر الافتراضي بسنوات طويلة، يقودها ربان، كان أول الفارين، وظروف جوية أسوأ ما يكون، وإهمال منقطع النظير من الشركة المالكة التي لم تراعِ إجراءات السلامة البحرية.
وهي تحشر أكثر من ألف وأربع مئة راكب على متن من الحديد المتهالك الذي أكلته النار وعرته الريح العاتية، والنتيجة كارثة دخلت بيوت الملايين من الناس الذين هالتهم المصيبة، وفجعتهم القصص المأساوية التي خلفها الغرقى وراءهم.
طفل هو الناجي الوحيد من أسرة بأكملها شاء حظها العاثر أن تستقل سفينة الموت، في اجازة قصيرة كان الأب يحلم بقضائها في ربوع وطنه وبين إخوته وأحبابه، وهو لا يدري انه سيتحول إلى طعام لأسماك القرش في مياه البحر العميقة، وعروس تغرق مع فستان زفافها.
وشاب عائد من رحلة الغربة، يحلم بحياة جديدة، وتكوين بيت وأسرة، وغيرهم كثيرون، التهمتهم المياه الغادرة، بسبب سوء التقدير، والتعامل الأرعن مع حادث حريق ربما كان محدودا في البداية قبل أن يكون المتهم الظاهر في الجريمة.
وفي الباطن، وخلف الستار، تقف سنوات من التسيب والإهمال في متابعة مراكب القتل السابحة في البحار، بأوراق وأعلام، لا تعرف لحياة الناس معنى، والبشر لديها مجرد أرقام ووسيلة لتعظيم الربح، يقف خلفها متنفذون، تخصصوا في جلب السفن المريضة، التي استغنى عنها مالكوها القدامى بأقل سعر.
وقبل هذا وذاك حكومة، تغرق في شبر ماء، تعلم بالكارثة من وسائل الإعلام، أكثر ما يقف على حقائق الأمور من أجهزة الرصد والمتابعة التي تنفق عليها الميزانيات الضخمة، والامتيازات التي لا تحد ولا تحصى.
اليوم يطالب أهالي الضحايا وكل الشعب المصري، بالوقوف على حقيقة ما جرى، ومحاسبة كل مسؤول ومقصر، فهل هذا كثير ؟!
يقول وزير النقل المصري ان التحقيقات ستكون شفافة، وان يد العدالة ستصل إلى المتسبب في الجريمة أياً كان موقعه، لكن ميراث الشك في قضايا مماثلة تجعلنا، نضع الكلام تحت المجهر، قبل أن نصدقه.
وهنا نتذكر كارثة قطار الصعيد قبل أقل من أربع سنوات، الذي تحمل «وابور الجاز» مسؤوليتها مع عدد محدد من صغار الموظفين، وقبلها فجيعة العبارة «سالم اكسبريس» التي تنتمي إلى ذات الشركة المالكة لسفينة الموت الأخيرة.
نحن نريد فعلا محاسبة كل واقف في الظاهر أو في الخفاء وراء كارثة «السلام 98»، ونتمنى ألا تأكل الأيام واللجان وتشعب التحقيقات، فورة البحث عن الحقيقة.
والوعد بالوصول إليها، بكل نزاهة وشفافية، فهناك أرواح تطالب بالقصاص العادل ممن تسبب في إزهاقها، وقلوب مكلومة لن تهدأ نيرانها قبل أن ترى بأم عينها، من أودع البحر جثث ذويها خلف القضبان.
دعونا ولو لمرة واحدة نقطع الشوط حتى النهاية، والوقوف على كل كبيرة وصغيرة يمكن أن تمنع الموت المجاني الذي يتربص بالبسطاء من أهالينا، ولا نفوت الفرصة لاستعادة الثقة، في إمكانية إقامة العدل، ووقف صنابير التسيب وسيول الإهمال والمحاباة التي يدفع الناس أرواحهم ثمنا لها.